تسعى تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى إحداث ثورة في مجال الرعاية الصحية، من خلال توفير أدوات مبتكرة للفحص الذاتي والكشف المبكر عن الأمراض. هذه التطورات تتجاوز الأجهزة التقليدية مثل الساعات الذكية، لتشمل تقنيات متقدمة مثل سماعات الرأس التي ترصد نشاط الدماغ وتطبيقات الهاتف التي تحلل صور قزحية العين، مما يفتح آفاقًا جديدة لتحسين الصحة العامة. تعتبر هذه التطورات جزءًا من جهود متزايدة لدمج الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية.
ويشهد هذا المجال اهتمامًا متزايدًا من الشركات الناشئة والعملاقة على حد سواء، حيث يتم عرض أحدث الابتكارات في معارض التكنولوجيا الكبرى مثل معرض الإلكترونيات الاستهلاكية في لاس فيغاس. تظهر الدراسات أيضًا أن هناك طلبًا كبيرًا من الجمهور على هذه الأدوات، حيث يلجأ الملايين إلى الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات ونصائح حول صحتهم.
أجهزة ذكية للرصد الصحي
شهد معرض الإلكترونيات الاستهلاكية الأخير عرضًا واسعًا للخواتم والأساور والساعات الذكية القادرة على مراقبة مؤشرات صحية حيوية، مثل معدل ضربات القلب وضغط الدم ومستويات السكر في الدم. تختلف هذه الأجهزة في دقتها وميزاتها، ولكنها تشترك جميعًا في هدف واحد: تمكين الأفراد من تتبع صحتهم بشكل استباقي.
أطلقت شركة “أوبن إيه آي” تطبيق “تشات جي بي تي هيلث” الذي يعتمد على السجلات الطبية للمستخدم وبيانات الأجهزة المتصلة، بعد الحصول على موافقة المستخدم بالطبع. يهدف هذا التطبيق إلى تقديم استشارات صحية شخصية بناءً على تحليل شامل للبيانات.
سماعات ترصد نشاط الدماغ
طورت شركة “نيورابل” سماعة رأس تعتمد على تقنية تخطيط الدماغ الكهربائي (EEG) لرصد وتحليل نشاط الدماغ. يمكن لهذه السماعة اكتشاف تباطؤ النشاط الدماغي واقتراح فترات راحة للمستخدم، مما يساعد على تحسين التركيز والأداء.
بالإضافة إلى ذلك، تعمل “نيورابل” على تطوير نسخة متخصصة للاعبين الإلكترونيين، تهدف إلى تحسين أدائهم من خلال مراقبة وتحسين وظائف الدماغ. كما يتم استكشاف إمكانية استخدام هذه التقنية للكشف عن علامات مبكرة لأمراض مثل الاكتئاب وألزهايمر.
ومع ذلك، يشدد خبراء مثل آنا ويكسلر من جامعة بنسلفانيا على ضرورة الحذر بشأن موثوقية هذه الأجهزة، مشيرين إلى أن دقتها لا تزال قيد التقييم. على الرغم من ذلك، يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي يلعب دورًا متزايدًا في تطوير هذه التقنيات وتحسين قدراتها.
استخدامات عسكرية وتطبيقات متقدمة
تتعاون شركة “نيورابل” مع الجيش الأوكراني لتقييم الصحة النفسية للجنود العائدين من الجبهة وأسرى الحرب، بهدف الكشف عن احتمالات الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة. يُظهر هذا التعاون إمكانات استخدام هذه التقنيات في مجالات غير تقليدية.
أجهزة لمرضى الصرع وألزهايمر وفحص عبر قزحية العين
تطورت شركة “ناوكس” الفرنسية سماعة تعتمد على تخطيط الدماغ الكهربائي، مصممة خصيصًا لمرضى الصرع. تستطيع هذه السماعة رصد نبضات كهربائية غير طبيعية في الدماغ، تُعرف باسم “سبايكس”، والتي تعتبر مؤشرات مبكرة على نوبات الصرع. وقد حصلت هذه السماعة على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، وتستخدم حاليًا في المستشفيات الفرنسية لدراسة العلاقة بين هذه النبضات ومرض ألزهايمر.
وفي مجال آخر، تستعد شركة “إيريهيلث” لإطلاق ملحق صغير للهواتف الذكية يقوم بتصوير قزحية العين. تعتمد هذه التقنية على “علم القزحية”، وهو مجال مثير للجدل، ولكن الشركة تؤكد فعاليتها في الكشف عن اضطرابات في القولون، مع خطط لتوسيع نطاق استخدامها لتشمل الرئتين والكبد. تشير الاختبارات الأولية إلى دقة بلغت 81% في تشخيص سرطان القولون.
بشكل عام، يشير الخبراء إلى أن التطورات السريعة في الذكاء الاصطناعي ساهمت في تصغير حجم الأجهزة الطبية وتقليل تكلفتها، مما يجعلها أكثر سهولة في الوصول إليها. هذا التوجه قد يؤدي إلى تعميم الكشف المبكر عن الأمراض على نطاق أوسع، وتحسين الصحة العامة.
من المتوقع أن تشهد السنوات القادمة المزيد من الابتكارات في مجال الرعاية الصحية الرقمية، مع التركيز على تطوير أجهزة أكثر دقة وموثوقية، وتوسيع نطاق استخدامها لتشمل مجموعة متنوعة من الأمراض والحالات الصحية. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات يجب التغلب عليها، مثل ضمان خصوصية البيانات وتوفير التدريب المناسب للمستخدمين. يجب مراقبة التقدم في هذا المجال عن كثب، وتقييم تأثيره على نظام الرعاية الصحية بشكل عام.













