أشاد مسؤولون أوروبيون بالتوقيع على اتفاقية تجارية تاريخية بين الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور في أمريكا الجنوبية، بعد مفاوضات استمرت أكثر من عقدين. يمثل هذا الاتفاق، الذي يهدف إلى تعزيز التجارة الحرة بين الجانبين، خطوة مهمة نحو تعزيز العلاقات الاقتصادية وتقليل الاعتماد على أسواق أخرى. تم التوقيع على الاتفاقية في أسونسيون، باراغواي، يوم السبت، ويأمل المدافعون عنها في أن تعزز النمو الاقتصادي وتخلق فرص عمل جديدة.
أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن الاتفاقية تعكس التزام الاتحاد الأوروبي بالتجارة العادلة والشراكات طويلة الأجل، بينما صرح رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا بأنها تدعم التجارة الحرة القائمة على القواعد، وتعارض استخدام التجارة كأداة للضغط السياسي. يأتي هذا التوقيع في وقت يشهد فيه العالم تحولات في السياسات التجارية العالمية.
أهمية اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور
تؤسس اتفاقية ميركوسور منطقة تجارية حرة ضخمة تضم حوالي 700 مليون شخص، مما يجعلها واحدة من أكبر المناطق التجارية في العالم. تتضمن الاتفاقية إلغاء تدريجي للرسوم الجمركية على حوالي 90% من السلع المتبادلة بين الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور (الأرجنتين، البرازيل، باراغواي، والأوروغواي). تقدر المفوضية الأوروبية أن الشركات الأوروبية ستوفر أكثر من 4 مليارات يورو سنويًا من خلال تخفيض هذه الرسوم.
بالإضافة إلى ذلك، تفتح الاتفاقية أسواق المشتريات العامة في دول ميركوسور للشركات الأوروبية بشروط مماثلة لتلك المطبقة على الشركات المحلية. كما تتضمن الاتفاقية بنودًا لحماية 344 مؤشرًا جغرافيًا أوروبيًا من التزوير، وتأمين إمدادات المعادن الحيوية، مما يقلل من اعتماد الاتحاد الأوروبي على مصادر أخرى، وعلى رأسها الصين.
انقسامات داخل الاتحاد الأوروبي
لم يكن التوصل إلى هذا الاتفاقية سهلاً، حيث واجهت معارضة داخلية قوية في الاتحاد الأوروبي. دعم كل من ألمانيا وإسبانيا الاتفاقية بقوة، معتبرين أنها ضرورية لتنويع العلاقات التجارية في ظل القيود التجارية التي تفرضها الولايات المتحدة والسياسات التجارية المتزايدة العدوانية من قبل الصين.
في المقابل، أعربت فرنسا عن قلقها العميق بشأن تأثير الاتفاقية على مزارعيها، الذين يخشون من المنافسة غير العادلة من الواردات الزراعية من أمريكا اللاتينية. التجارة الحرة في المنتجات الزراعية كانت نقطة خلاف رئيسية خلال المفاوضات. على الرغم من معارضتها، وافقت فرنسا على بند وقائي يسمح بإعادة فرض الرسوم الجمركية إذا تجاوزت الواردات من ميركوسور نسبة 5% في القطاعات الحساسة.
كما نجحت فرنسا في تحديد سقف للواردات الزراعية المعفاة من الرسوم الجمركية. على سبيل المثال، سيتم تحديد واردات لحوم الأبقار السنوية بـ 99,000 طن، بتعريفة جمركية مخفضة بنسبة 7.5%، وهو ما يمثل حوالي 1.5% من إنتاج الاتحاد الأوروبي. وبالمثل، سيتم تحديد واردات الدواجن بـ 180,000 طن سنويًا، أي ما يعادل 1.3% من إنتاج الاتحاد الأوروبي.
آفاق مستقبلية وتحديات محتملة
تتوقع المفوضية الأوروبية أن تزيد الصادرات الأوروبية إلى دول ميركوسور بنسبة 39% بحلول عام 2040، لتصل إلى 48.7 مليار يورو، بينما من المتوقع أن ترتفع الواردات من أمريكا اللاتينية بنسبة 16.9%، لتصل إلى 8.9 مليار يورو. هذه الأرقام تشير إلى إمكانات نمو كبيرة لكلا الجانبين.
ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات قائمة. أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى أن توقيع الاتفاقية ليس نهاية المطاف، وأن هناك حاجة إلى مراقبة دقيقة لتنفيذها. الآن، ينتقل الأمر إلى البرلمان الأوروبي للمصادقة على الاتفاقية، وهي عملية قد تكون صعبة نظرًا للانقسامات المستمرة بين النواب.
من المتوقع أن يخضع الاتفاق لتدقيق مكثف من قبل البرلمان الأوروبي، حيث سيأخذ النواب في الاعتبار المصالح الوطنية والآثار المحتملة على القطاعات المختلفة. من المقرر أن يصوت البرلمان الأوروبي في وقت مبكر من الأسبوع المقبل على قرار يدعو إلى الطعن في الاتفاقية أمام محكمة العدل الأوروبية، مما قد يؤخر أو يعيق المصادقة النهائية. سيكون من المهم مراقبة رد فعل النواب ومواقفهم خلال هذه العملية، بالإضافة إلى أي تطورات جديدة في السياسات التجارية العالمية.












