على الرغم من التطورات الطبية المتسارعة وبرامج الفحص الموسعة، لا يزال مرض السكري يمثل تحديًا صحيًا عالميًا، حيث يعيش الملايين حول العالم دون علم بإصابتهم. تشير الإحصائيات في الولايات المتحدة وحدها إلى أن حوالي 8.7 مليون شخص مصابون بالسكري ولم يتم تشخيص حالتهم، وهو ما يمثل تقريبًا ربع إجمالي عدد البالغين المصابين بالمرض. هذا التأخر في التشخيص يسمح للمرض بالتطور بصمت، مما يزيد من خطر ظهور مضاعفات صحية خطيرة كان بالإمكان تجنبها من خلال الكشف المبكر.
يعتبر السكري مرضًا مزمنًا يؤثر على قدرة الجسم على تنظيم مستويات السكر في الدم. يتضمن ذلك أنواعًا مختلفة، أبرزها السكري من النوع الأول، والسكري من النوع الثاني، وسكري الحمل. السكري من النوع الثاني هو الأكثر شيوعًا، ويمثل ما بين 90٪ و 95٪ من الحالات، وغالبًا ما يظل غير مكتشف لسنوات بسبب التطور التدريجي لمستويات السكر في الدم وندرة الأعراض الحادة في مراحله الأولية.
أعراض شائعة قد تشير إلى الإصابة بـمرض السكري
غالبًا ما يسبق الإصابة بالسكري من النوع الثاني مرحلة تُعرف باسم “مقدمات السكري”. تتميز هذه المرحلة بارتفاع مستويات السكر في الدم عن المعدل الطبيعي، ولكنها ليست مرتفعة بما يكفي لتشخيص السكري. قد تستمر هذه الحالة لسنوات دون ظهور أي أعراض واضحة. حتى مع ظهور علامات خفيفة، غالبًا ما يتم تجاهلها أو تفسيرها بشكل خاطئ على أنها تعب أو علامات للتقدم في العمر أو نتيجة ضغوط الحياة اليومية، مما يؤدي إلى تأخير التشخيص وتقليل فرص التدخل المبكر.
في المقابل، يختلف السكري من النوع الأول في طبيعته وسرعة ظهوره. إنه مرض مناعي ذاتي يهاجم فيه الجهاز المناعي خلايا البنكرياس المنتجة للأنسولين. عادة ما تظهر أعراضه لدى الأطفال بشكل مفاجئ، مثل فقدان الوزن السريع، والعطش الشديد، وكثرة التبول. وقد يرتبط التشخيص الأول بحالة طبية طارئة تسمى “الحماض الكيتوني السكري”، وهي من المضاعفات الخطيرة التي تتطلب علاجًا فوريًا.
ينطوي الكشف المبكر عن السكري على الانتباه إلى الأعراض المحتملة، خاصة إذا ظهرت بشكل متزامن أو استمرت لفترة طويلة. من بين هذه الأعراض:
- كثرة التبول: يحاول الجسم التخلص من السكر الزائد عن طريق البول، مما يؤدي إلى فقدان السوائل والشعور بالعطش.
- العطش الشديد والمستمر: ينتج عن فقدان الماء والأملاح بسبب التبول المتكرر.
- الجوع الشديد: يحدث بسبب عدم قدرة خلايا الجسم على استخدام السكر كمصدر للطاقة.
- الإرهاق والتعب: يعاني الجسم من نقص الطاقة بسبب عدم الاستفادة من الغذاء.
- فقدان الوزن غير المبرر: قد يحدث خاصة في حالات السكري من النوع الأول، أو في حالات السكري من النوع الثاني غير المشخص.
- تشوش الرؤية: يمكن أن يؤثر ارتفاع السكر في الدم على الأوعية الدموية الدقيقة في العين.
- تنميل أو وخز في اليدين أو القدمين: قد يشير إلى تلف الأعصاب الطرفية نتيجة ارتفاع السكر المزمن.
بالإضافة إلى هذه الأعراض، قد تظهر علامات أخرى أقل شيوعًا، مثل جفاف الفم، وجفاف الجلد والحكة، وبطء التئام الجروح، والالتهابات المتكررة، خاصة الجلدية أو الفطرية، وظهور بقع جلدية داكنة ذات ملمس مخملي في بعض مناطق الجسم. هذه العلامات تتطلب أيضًا الانتباه والمتابعة الطبية.
مضاعفات السكري الخطيرة
تكمن خطورة تأخر تشخيص مرض السكري في المضاعفات التي قد تنجم عنه، سواء كانت حادة أو مزمنة. يمكن أن يؤدي الارتفاع الشديد في مستويات السكر في الدم إلى حالات طبية طارئة مثل الحماض الكيتوني السكري ومتلازمة فرط الأسمولية، وكلاهما يتطلب علاجًا فوريًا في المستشفى.
وعلى المدى الطويل، يمكن أن يؤثر السكري غير المتحكم فيه سلبًا على وظائف القلب والكلى والأعصاب والعينين والأوعية الدموية، مما يؤثر بشكل كبير على جودة حياة المصاب.
توصي المنظمات الصحية، مثل الجمعية الأمريكية للسكري، بإجراء فحوصات دورية للكشف عن مرض السكري من النوع الثاني كل ثلاث سنوات بدءًا من سن 35 عامًا، أو في وقت أبكر للأفراد الذين لديهم عوامل خطر، مثل السمنة أو تاريخ عائلي للإصابة بالسكري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو قلة النشاط البدني. تشمل طرق التشخيص اختبار الهيموجلوبين السكري، واختبار سكر الدم الصائم، واختبار تحمل الجلوكوز.
مع استمرار الجهود لزيادة الوعي بأهمية الكشف المبكر عن مرض السكري، يتوقع خبراء الصحة إطلاق حملات توعية جديدة في الربع الأول من عام 2027، تهدف إلى استهداف الفئات الأكثر عرضة للخطر. ومع ذلك، تظل فعالية هذه الحملات غير مؤكدة، وستحتاج إلى تقييم دقيق لتحديد مدى تأثيرها في تقليل عدد الحالات غير المشخصة. يجب متابعة التطورات في برامج الفحص وتوفر العلاجات الجديدة لضمان أفضل رعاية للمرضى.













