ظل نطاق “التيراهيرتز” لسنوات يعتبر تحديًا للفيزيائيين، نظرًا لصعوبة إنتاج واكتشاف إشعاعات في هذا النطاق. واليوم، أعلن فريق من العلماء عن تقدم كبير في هذا المجال، مما يفتح آفاقًا جديدة للبحث والتطبيقات التكنولوجية المتطورة. هذا الاختراق الجديد في مجال التيراهيرتز قد يغير طريقة تعاملنا مع العديد من التقنيات في المستقبل.
لفهم هذا الإنجاز، من الضروري معرفة ما هو “الطيف الكهرومغناطيسي”، وهو يشمل جميع أنواع الإشعاع في الكون، بما في ذلك الضوء المرئي الذي يمثل جزءًا صغيرًا فقط من هذا الطيف الواسع. يتدرج الطيف من موجات الراديو ذات الطاقة المنخفضة، مرورًا بالميكروويف والأشعة تحت الحمراء، وصولًا إلى الأشعة فوق البنفسجية والأشعة السينية وأشعة جاما ذات الطاقة العالية.
فجوة التيراهيرتز وتحدياتها
تقع منطقة التيراهيرتز في الطيف الكهرومغناطيسي بين الموجات الميكروية والأشعة تحت الحمراء. تاريخيًا، واجه العلماء صعوبات في توليد واكتشاف إشارات التيراهيرتز بكفاءة، مما جعلها منطقة “فجوة” في البحث والتطوير. يتطلب التعامل مع هذا النطاق تقنيات متخصصة ومصادر إشعاع قوية، بالإضافة إلى كواشف حساسة للغاية.
ومع ذلك، فإن تطوير تقنيات جديدة أتاح للباحثين فرصة استكشاف إمكانات هذا النطاق الواعد. تشمل هذه التقنيات استخدام ليزرات متطورة ومواد جديدة ذات خصائص فريدة. أحد هذه التطورات يركز على أجهزة الاستشعار القادرة على التقاط هذه الإشارات بفعالية أكبر.
ابتكار “هوائي كمي”
أعلن فريق العلماء عن ابتكارهم ما يسمى “هوائيًا كميًا”، مصنوعًا من ذرات الروبيديوم، وهو اختراق يتيح رصد إشارات في نطاق التيراهيرتز بدقة غير مسبوقة. تعتمد هذه التقنية على دفع أحد إلكترونات الذرة إلى مدار بعيد باستخدام ليزرات مضبوطة بدقة، مما يجعل الذرة حساسة للغاية لأي مجال كهربائي خارجي.
في هذه الحالة، تعمل الذرة كمستشعر للإشارة، حيث تتفاعل مع موجات التيراهيرتز وتغير حالتها الكمومية. قام العلماء بتحويل موجة التيراهيرتز إلى فوتونات ضوئية، مما سمح لهم برصدها باستخدام كواشف حساسة للغاية. يجمع هذا النهج بين دقة القياس التي توفرها الذرات والحساسية العالية للكواشف الضوئية.
التطبيقات المحتملة لتقنية التيراهيرتز
تفتح هذه التطورات الباب أمام مجموعة واسعة من التطبيقات المحتملة في مختلف المجالات. يمكن استخدام تقنية التيراهيرتز في تطوير أجهزة فحص أمنية أكثر فعالية، قادرة على اكتشاف المواد المخفية دون استخدام الأشعة السينية الضارة.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن لهذه التقنية أن تحدث ثورة في مجال مراقبة الجودة في الصناعات المختلفة. يمكن استخدامها لفحص المنتجات والأدوية والأغذية بدقة عالية، والتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية. كما أنها تُعدّ واعدة في تطوير تقنيات التصوير الطبي غير التدميرية.
ويمكن أن تسهم تقنية التيراهيرتز في تطوير اتصالات لاسلكية أسرع وأكثر كفاءة، لتلبية الطلب المتزايد على نقل البيانات. يدرس الباحثون حاليًا إمكانية استخدام نطاق التيراهيرتز في الجيل السادس من شبكات الهاتف المحمول، مما قد يؤدي إلى تحسين كبير في سرعة ونطاق التردد.
بالطبع، تبقى هذه التجارب في مراحلها الأولية، وهناك حاجة إلى مزيد من البحث والتطوير لتحويل هذه الإمكانات إلى واقع ملموس. تتضمن التحديات الحالية تطوير مصادر إشعاع أكثر قوة وكواشف أكثر حساسية، بالإضافة إلى تصميم أجهزة عملية وفعالة من حيث التكلفة.
من المتوقع أن يشهد هذا المجال تطورات متسارعة في السنوات القادمة، مع استمرار الباحثين في استكشاف إمكانات نطاق التيراهيرتز. تتجه الجهود الحالية نحو تحسين كفاءة الأجهزة وتوسيع نطاق تطبيقاتها، مما قد يؤدي إلى تغييرات كبيرة في العديد من الصناعات والتقنيات. البحث المستمر في مجال التيراهيرتز سيحدد بشكل كبير جدوى استخدامها على نطاق واسع، وقدرتها على معالجة التحديات الحالية في مجالات الأمن والصحة والاتصالات.













