تزايدت التكهنات حول إمكانية سعي الولايات المتحدة للسيطرة على جزيرة غرينلاند، وهو الأمر الذي يثير جدلاً واسعاً حول التداعيات الجيوسياسية المحتملة. يعتبر هذا التحرك، إذا تحقق، نقطة تحول في الصراع الاستراتيجي في منطقة القطب الشمالي، وقد يؤثر بشكل كبير على مصالح روسيا في المنطقة. يثير هذا السيناريو تساؤلات حول مستقبل التوازنات الإقليمية والدولية.
في تقرير حديث، أشارت الكاتبة ليوبوف ستيبوتشوفا إلى أن استحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند قد يحمل مكاسب قصيرة الأجل لروسيا، ولكنه في الوقت نفسه يمثل تهديداً كبيراً لمصالحها طويلة الأمد في القطب الشمالي. وتشير التقارير إلى أن واشنطن مستعدة لتقديم تعويضات مالية كبيرة لدنمارك، وحتى اللجوء إلى القوة، لتحقيق هذا الهدف.
القطب الشمالي: تداعيات سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند
تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الاستراتيجي الحيوي في القطب الشمالي، والذي يزداد أهمية مع ذوبان الجليد وتغير المناخ. تعتبر الجزيرة نقطة عبور رئيسية للطرق البحرية الجديدة، مما يجعلها ذات قيمة عسكرية واقتصادية كبيرة. وفقًا لتقارير متعددة، تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز وجودها العسكري في المنطقة لمواجهة النفوذ المتزايد للصين وروسيا.
المكاسب المحتملة لروسيا
ترى ستيبوتشوفا أن أي ضم أمريكي لأراضي دولة ذات سيادة، مثل غرينلاند، قد يمنح روسيا ذريعة قانونية وأخلاقية لتعزيز موقفها في شبه جزيرة القرم والمناطق التي تسيطر عليها في أوكرانيا. فالضم الأمريكي قد يضعف الشرعية الدولية للمطالبات بانسحاب روسيا من هذه المناطق، بحسب تحليلها.
بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي هذا التحرك إلى تفكك الحلف الغربي، حيث قد تظهر خلافات بين الحلفاء حول مدى التزامهم بمبادئ القانون الدولي. هذا التفكك يمكن أن يخدم المصالح الروسية من خلال تقليل الضغط الدولي عليها.
التهديدات الاستراتيجية على روسيا
على الرغم من المكاسب المحتملة، تحذر ستيبوتشوفا من أن سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند تشكل تهديدًا استراتيجيًا كبيرًا لروسيا. فالجزيرة، في حالة تحويلها إلى قاعدة عسكرية أمريكية، يمكن أن تستضيف أنظمة دفاع صاروخي متطورة وأسلحة فرط صوتية، مما يقلل من فعالية الردع الروسي.
كما أن وجودًا أمريكيًا قويًا في غرينلاند قد يسمح لواشنطن بالتحكم في جزء كبير من الطريق البحري الشمالي، وهو طريق حيوي لروسيا لنقل البضائع والطاقة. هذا التحكم قد يعرقل الوصول الروسي إلى المحيط الأطلسي ويؤثر على قدرتها على المناورة في المنطقة.
وتشير التحليلات إلى أن مشروع “القبة الذهبية” الذي تتحدث عنه الإدارة الأمريكية، والذي يهدف إلى إنشاء نظام دفاع جوي وصاروخي متكامل في القطب الشمالي، يمثل تحديًا مباشرًا للمصالح الروسية. هذا النظام قد يحد من قدرة روسيا على تنفيذ عمليات عسكرية في المنطقة ويقلل من أهمية قواعدها العسكرية القائمة.
ردود الفعل المحتملة
من المتوقع أن يواجه أي تحرك أمريكي لضم غرينلاند ردود فعل قوية من قبل المجتمع الدولي، بما في ذلك روسيا. قد تلجأ روسيا إلى استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لمنع أي قرار يدعم هذا الضم.
بالإضافة إلى ذلك، قد تتخذ روسيا إجراءات مضادة لتعزيز وجودها العسكري في القطب الشمالي، مثل زيادة عدد الدوريات البحرية والجوية، وتطوير البنية التحتية لقواعدها العسكرية. هذه الإجراءات قد تؤدي إلى تصعيد التوترات في المنطقة وزيادة خطر وقوع حوادث عسكرية.
في الوقت الحالي، يبدو أن سكان غرينلاند يعارضون بشدة أي محاولة للسيطرة الأمريكية على الجزيرة. ومع ذلك، تشير التقارير إلى أن واشنطن قد تسعى إلى إجراء استفتاء حول الاستقلال، مع إدراج سؤال فرعي حول الانضمام إلى الولايات المتحدة، وتقديم حوافز مالية كبيرة للسكان للتصويت لصالحها.
الوضع الحالي يتطلب مراقبة دقيقة للتطورات الجارية في القطب الشمالي. من المتوقع أن تشهد الأيام والأسابيع القادمة مزيدًا من المفاوضات والضغوط الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والدنمارك. كما يجب متابعة ردود الفعل الروسية على هذه التطورات، وتقييم تأثيرها على التوازنات الإقليمية والدولية. من المرجح أن يتم اتخاذ قرار نهائي بشأن مستقبل غرينلاند بحلول نهاية عام 2026، ولكن يبقى هذا القرار محاطًا بالعديد من الشكوك والعوامل غير المتوقعة.












