بعد أكثر من نصف قرن على آخر هبوط للبشر على سطح القمر، تستعد وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” لإطلاق مهمة “أرتميس 2” (Artemis II)، وهي رحلة مأهولة حول القمر تمثل عودة تاريخية لاستكشاف الفضاء العميق. من المتوقع أن تنطلق المهمة في غضون أسابيع قليلة، بعد اجتياز الاختبارات النهائية، وتضع البشرية على أعتاب حقبة جديدة من استكشاف القمر، مع التركيز على الاستدامة والتعاون الدولي.
ستنطلق المركبة “أوريون” على متن صاروخ “نظام الإطلاق الفضائي (SLS)” من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا. هذه المهمة، التي تستغرق حوالي عشرة أيام، ستدور حول القمر ثم تعود إلى الأرض دون هبوط، وهي خطوة حاسمة قبل محاولة الهبوط على القمر في مهمة “أرتميس 3” المستقبلية.
أهداف ومهام رحلة أرتميس 2 حول القمر
تتمثل المهمة الرئيسية لـ “أرتميس 2” في اختبار الأنظمة الحيوية لرحلات الفضاء العميق، بما في ذلك مركبة “أوريون” وصاروخ “SLS”. ستقوم المهمة بتقييم قدرة هذه الأنظمة على دعم الحياة البشرية في بيئة الفضاء القاسية، وجمع البيانات اللازمة لتحسين تصميمها وأدائها في المستقبل. بالإضافة إلى ذلك، تهدف المهمة إلى إلهام جيل جديد من المستكشفين والعلماء.
يتكون طاقم “أرتميس 2” من أربعة رواد فضاء أمريكيين، تم اختيارهم بعناية لتمثيل التنوع والخبرة اللازمة لهذه المهمة التاريخية:
- ريد وايزمان: قائد المهمة، مسؤول عن قيادة المركبة وسلامة الطاقم.
- فيكتور غلوفر: الطيار، مسؤول عن تشغيل المركبة والملاحة.
- كريستينا كوخ: أخصائية مهمة، تدعم الأنظمة وتنفيذ المهام التقنية.
- جيريمي هانسن: أخصائي مهمة، يشارك في تشغيل الأنظمة وتنفيذ المهام التشغيلية.
وجود كريستينا كوخ في الطاقم يمثل علامة فارقة، حيث أنها ستكون جزءًا من أول رحلة مأهولة حول القمر منذ برنامج “أبولو”، وتساهم بخبرتها الواسعة في مهمات الفضاء طويلة الأمد.
الرمزية التاريخية والتحول في استراتيجية ناسا
تحمل هذه المهمة رمزية خاصة، فهي ليست مجرد عودة إلى القمر، بل هي بداية مرحلة جديدة من استكشاف الفضاء. تسعى ناسا من خلال برنامج “أرتميس” إلى إنشاء وجود بشري مستدام على القمر، واستخدامه كنقطة انطلاق لرحلات مستقبلية إلى المريخ. هذا التحول في الاستراتيجية يعكس رؤية جديدة للاستكشاف الفضائي، تركز على التعاون الدولي والاستفادة من التقنيات الحديثة.
تختلف مهمة “أرتميس 2” عن مهمات “أبولو” في عدة جوانب. فبدلاً من مجرد الوصول إلى القمر والعودة، تهدف “أرتميس” إلى بناء قاعدة قمرية دائمة، واستغلال الموارد الطبيعية الموجودة على القمر، مثل الجليد المائي. هذا النهج يمثل استثمارًا طويل الأمد في استكشاف الفضاء، ويهدف إلى تحقيق فوائد علمية واقتصادية مستدامة.
تتبع المركبة مسارًا يعرف بـ “العودة الحرة”، وهو مسار بيضاوي يلتف حول القمر ويعيد المركبة تلقائيًا إلى الأرض في حالة حدوث أي خلل تقني. هذا المسار يعكس تركيز ناسا على السلامة، ويضمن عودة الطاقم إلى الأرض بأمان حتى في الظروف غير المتوقعة.
التحديات والفرص المستقبلية لاستكشاف القمر
على الرغم من التقدم التكنولوجي الهائل الذي تحقق منذ برنامج “أبولو”، لا يزال استكشاف القمر يواجه العديد من التحديات. تشمل هذه التحديات تطوير تقنيات جديدة للحماية من الإشعاع الفضائي، وتوفير مصادر طاقة مستدامة، وإنشاء أنظمة دعم الحياة المغلقة. ومع ذلك، فإن هذه التحديات تمثل أيضًا فرصًا للابتكار والتطوير، ويمكن أن تؤدي إلى اكتشافات علمية وتقنيات جديدة تفيد البشرية جمعاء.
تشير الدراسات الحديثة إلى وجود كميات كبيرة من الجليد المائي في القطب الجنوبي للقمر. يمكن استخدام هذا الجليد المائي لإنتاج المياه والأكسجين والوقود، مما يجعله موردًا حيويًا لإنشاء وجود بشري دائم على القمر. بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام القمر كمختبر طبيعي لدراسة تأثيرات الجاذبية المنخفضة والإشعاع الفضائي على صحة الإنسان، مما يساعد على إعداد رواد الفضاء لرحلات أطول وأكثر تعقيدًا إلى المريخ.
يعتمد برنامج “أرتميس” على شراكات دولية وتجارية غير مسبوقة، مما يعكس التزامًا عالميًا باستكشاف الفضاء. تشارك وكالات فضاء عالمية، مثل وكالة الفضاء الأوروبية ووكالة الفضاء اليابانية، في تطوير بعض المكونات والأنظمة المستخدمة في البرنامج. كما تتعاون ناسا مع شركات خاصة، مثل “سبيس إكس”، لتطوير مركبات الهبوط القمرية وخدمات النقل الفضائي.
من المتوقع أن يتم الإعلان عن موعد إطلاق “أرتميس 2” الرسمي في الأشهر القليلة القادمة، بعد الانتهاء من جميع الاختبارات والتحضيرات اللازمة. في الوقت الحالي، لا تزال هناك بعض المخاطر والتحديات التي قد تؤدي إلى تأخير الإطلاق، مثل المشاكل التقنية أو الظروف الجوية السيئة. ومع ذلك، فإن ناسا ملتزمة بإطلاق المهمة في أقرب وقت ممكن، مع الحفاظ على أعلى معايير السلامة والأداء.












