أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلاً واسعاً بتصريحاته الأخيرة حول دور قوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان، مما استدعى ردود فعل قوية من دول أوروبية شاركت في الحرب. وقد سعى ترامب، في محاولة لتهدئة الأجواء، إلى الإشادة بدور الجنود البريطانيين تحديداً، لكن ذلك لم يمنع تصاعد الانتقادات حول تقليله من شأن تضحيات قوات الحلفاء في أفغانستان.
تصريحات ترامب وتداعياتها على العلاقات مع حلفاء الولايات المتحدة
جاءت تصريحات ترامب خلال مقابلة مع قناة “فوكس نيوز”، حيث قلل من أهمية مساهمات الدول الأخرى في حلف الناتو خلال غزو أفغانستان الذي بدأ عام 2001. واعتبر أن الولايات المتحدة “لم تكن بحاجة إليهم أبداً”، وأن قوات الدول الحليفة لم تشارك بفعالية في الخطوط الأمامية. وقد أثارت هذه التصريحات غضب العديد من القادة الأوروبيين، الذين وصفوها بأنها “مهينة وصادمة”.
ردّ رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر على تصريحات ترامب، مؤكداً على شجاعة وبطولة الجنود البريطانيين والأمريكيين الذين قاتلوا جنباً إلى جنب في أفغانستان. وأشار إلى أن العديد منهم لم يعودوا إلى وطنهم، وأن تضحياتهم يجب ألا تُنسى. وقد أجرى ترامب وستارمر مكالمة هاتفية في محاولة لتخفيف حدة التوتر، لكنها لم تمنع استمرار الانتقادات.
ردود فعل دولية واسعة النطاق
لم تقتصر ردود الفعل على بريطانيا، بل امتدت لتشمل دولاً أخرى شاركت في الحرب في أفغانستان. أعربت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني عن “ذهولها” من تصريحات ترامب، بينما جدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “امتنان البلاد” لعائلات الجنود الفرنسيين الذين سقطوا في أفغانستان.
بالإضافة إلى ذلك، استذكر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك مشاركته في مراسم وداع الجنود البولنديين الذين قتلوا في أفغانستان عام 2011. كما ذكّر وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس بـ”الثمن الباهظ” الذي دفعته ألمانيا في هذه الحرب. وفي الدنمارك، انتقدت رئيسة الوزراء ميته فريدريكسن بشدة تصريحات ترامب، معربة عن الألم الذي يشعر به المحاربون القدامى الدنماركيون.
الخلاف حول مساهمات الناتو في أفغانستان
أتى رد البيت الأبيض على انتقادات ستارمر، حيث دافعت المتحدثة باسم البيت الأبيض تايلور روجرز عن ترامب، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة قدمت أكثر من جميع الدول الأخرى في حلف الناتو مجتمعة. هذا البيان عزز الجدل حول توزيع الأعباء والمساهمات النسبية للدول المختلفة في الحلف خلال فترة الحرب في أفغانستان.
ويأتي هذا الخلاف في سياق نقاش أوسع حول مستقبل حلف الناتو ودور الولايات المتحدة في العالم. فقد أعرب ترامب في السابق عن شكوكه حول قيمة الحلف، ودعا الدول الأعضاء إلى زيادة إنفاقها الدفاعي. وتشير هذه التصريحات إلى استمرار هذا النهج، وإلى احتمال حدوث توترات جديدة بين الولايات المتحدة وحلفائها في المستقبل القريب. وتشمل القضايا ذات الصلة أيضاً تقييم استراتيجيات التحالف الدولي في مناطق الصراع الأخرى.
من المهم الإشارة إلى أن الحرب في أفغانستان كانت أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة، وقد أسفرت عن خسائر بشرية ومادية كبيرة. وقد انتهت هذه الحرب في عام 2021 مع انسحاب القوات الأمريكية وعودة طالبان إلى السلطة. ولا يزال تأثير هذه الحرب محسوساً في أفغانستان والمنطقة، ويشكل تحدياً كبيراً للمجتمع الدولي.
تأثير هذه التصريحات على السياسة الخارجية الأمريكية
تأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا بعض التوتر، خاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية والأمنية. وقد تؤدي هذه التصريحات إلى تفاقم هذه التوترات، وإلى تقويض الثقة بين الحلفاء.
من ناحية أخرى، قد يرى البعض أن هذه التصريحات هي مجرد محاولة من ترامب لإعادة التفاوض على دور الولايات المتحدة في العالم، ولإجبار حلفائها على تحمل المزيد من المسؤولية. ومع ذلك، فإن الطريقة التي اختار بها ترامب التعبير عن هذه الأفكار أثارت غضباً واسعاً، وقد يكون لها عواقب سلبية على السياسة الخارجية الأمريكية.
من المتوقع أن تستمر المناقشات حول هذه التصريحات في الأيام القادمة، وأن تشكل جزءاً من جدول أعمال القمة القادمة لحلف الناتو. وسيكون من المهم مراقبة ردود فعل الدول الأعضاء، وكيف ستتعامل الإدارة الأمريكية مع هذا الموقف. كما يجب متابعة أي تطورات جديدة في السياسة الأمريكية تجاه أفغانستان والمنطقة، وتقييم تأثيرها على الاستقرار الإقليمي والأمن الدولي.













