دمشق/أنقرة – تتزايد التساؤلات حول مستقبل قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في ظل رسالة نُسبت إلى عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل، دعت إلى انخراط “قسد” في مؤسسات الدولة السورية. أثارت هذه الرسالة، التي نشرتها وسائل إعلام تركية في 25 نوفمبر/تشرين الثاني، نقاشًا واسعًا حول ما إذا كانت تمثل تحولًا في العلاقة بين “قسد” وكل من دمشق وأنقرة، وما إذا كانت تعكس مسارًا سياسيًا جديدًا أم مجرد مناورة تكتيكية.
جاءت الرسالة بعد فترة من التكهنات حول إمكانية دمج “قسد” في الجيش السوري، وتزامنت مع جهود تركية لإيجاد حلول سياسية للأزمة السورية، مع التركيز على ملف الجماعات الكردية المسلحة. وتعتبر أنقرة “قسد” امتدادًا لحزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه كمنظمة إرهابية، وتطالب بإنهاء وجوده في شمال وشرق سوريا.
زيارة إيجابية وتداعيات محتملة
أجرى وفد برلماني تركي، يضم نوابًا من أحزاب مختلفة، زيارة إلى أوجلان في سجنه بجزيرة إمرالي يوم الاثنين الماضي. تعتبر هذه الزيارة الأولى من نوعها منذ اعتقال أوجلان عام 1999، وتأتي في إطار مبادرة للحوار تهدف إلى تفكيك حزب العمال الكردستاني. ووفقًا لبيان رسمي صادر عن الوفد، كانت الزيارة “إيجابية” وفتحت آفاقًا جديدة للحوار.
وقد عرض أوجلان خلال اللقاء رؤيته لتفكيك الحزب، معربًا عن دعمه لاتفاق 10 مارس/آذار بين “قسد” والحكومة السورية كجزء من تسوية شاملة. ويرى مراقبون أن هذه الدعوة قد تكون محاولة لتهدئة أنقرة، وإيجاد مخرج سياسي لـ “قسد” يضمن لها دورًا في مستقبل سوريا.
تباين الآراء حول الرسالة
تتباين القراءات حول مضمون رسالة أوجلان. يرى البعض أنها خطوة تكتيكية مرتبطة بالظروف الإقليمية والدولية، وأنها تهدف إلى استغلال الرغبة التركية في إيجاد حلول سياسية. في المقابل، يرى آخرون أنها تمثل مسارًا سياسيًا جادًا قد يؤدي إلى إنهاء استقلالية الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وتقويض سلطتها.
ويشير الأستاذ في العلاقات الدولية، محمد رقيب أوغلو، إلى أن دعوة أوجلان تعكس تحولًا في مسار الصراع بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية، وإدراكًا بأن استمرار القتال لم يعد يحقق أهدافًا استراتيجية. ويؤكد أن أنقرة تنظر بإيجابية إلى أي خطوة نحو دمج “قسد” في الجيش السوري، لكنها تشترط إنهاء وجود السلاح المستقل لدى “قسد”.
مستقبل قوات سوريا الديمقراطية
تعتبر قضية قسد من القضايا المعقدة في الأزمة السورية، حيث تمثل القوات قوة عسكرية رئيسية في شمال وشرق سوريا، وتسيطر على مناطق غنية بالنفط. وتحظى “قسد” بدعم من الولايات المتحدة، التي تعتبرها شريكًا أساسيًا في مكافحة الإرهاب.
ويرى قتيبة فرحات، الباحث في مركز جسور للدراسات الإستراتيجية، أن تأثير الرسالة سيكون محدودًا، وأن مستقبل “قسد” يعتمد بشكل كبير على الضغوط الأميركية والمشروع السياسي التركي. ويضيف أن أي تسوية يجب أن تأخذ في الاعتبار مصالح جميع الأطراف المعنية، وأن تحترم حقوق الأكراد في سوريا.
من جهته، يرى سيهانوك ديبو، ممثل “الإدارة الذاتية” في دول الخليج، أن رسالة أوجلان تندرج في إطار عام لا يمسّ تفاصيل علاقة الإدارة الذاتية بدمشق. ويشدد على أن مؤسسات الإدارة الذاتية و”قسد” ليست مطروحة للفسخ أو الحل، وأن أي حديث عن ذوبانها داخل مؤسسات الدولة يتجاوز الواقع.
وتشير التقديرات إلى أن دمج “قسد” في الجيش السوري يتطلب اتفاقًا سياسيًا شاملًا بين جميع الأطراف السورية، بالإضافة إلى ضمانات دولية تحمي حقوق الأكراد. ويعتبر هذا الأمر تحديًا كبيرًا في ظل استمرار الأزمة السورية وتعدد الأطراف المتدخلة.
الخطوات القادمة والتحديات
من المتوقع أن ترفع اللجنة البرلمانية التركية تقريرًا مفصلًا عن زيارتها لأوجلان خلال الأسابيع القليلة القادمة. ويُعتقد أن الحكومة التركية تعمل على إعداد حزمة من الإجراءات التشريعية، بما في ذلك مشروع قانون يسمح بعودة مقاتلي حزب العمال الكردستاني من معاقلهم في شمال العراق.
ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من التحديات التي تواجه أي مسار تفاوضي، بما في ذلك الخلافات حول مستقبل الأكراد في سوريا، وموقف الولايات المتحدة من قضية “قسد”، والتدخلات الإقليمية والدولية.
ويبقى الوضع في شمال وشرق سوريا معقدًا وغير مستقر، ويتطلب حذرًا ودبلوماسية عالية من جميع الأطراف المعنية. وستظل تطورات الأيام القادمة حاسمة في تحديد مستقبل قسد ومسار الأزمة السورية بشكل عام.













