في عشرينيات القرن الماضي لم يكن الخلاف بين ألبرت أينشتاين، ونيلز بور تفصيلا أكاديميا، بل سؤالا كبيرا حول الدور الذي تلعبه الفيزياء في هذا العالم: هل ميكانيكا الكم تصف الواقع كما هو، أم أنها ناقصة وتخفي خلفها معلومات يمكننا، نظريا، الوصول إليها؟ هذا السؤال لا يزال يتردد صداه حتى اليوم، ومع أحدث التجارب، نجد أنفسنا أقرب إلى فهم أعمق لطبيعة الواقع الكمومي.
ميكانيكا الكم هي فرع الفيزياء الذي يصف عالما صغيرا جدا، عالم الذرات والإلكترونات والفوتونات، حيث لا تسير الأشياء وفق حدسنا اليومي. تعتمد هذه النظرية على مبادئ الاحتمالات وعدم اليقين، مما يجعلها تبدو غريبة وغير بديهية. ومع ذلك، فهي شديدة الدقة في تفسير سلوك المادة والضوء، وتشكل أساس التقنيات الحديثة مثل الليزر وأشباه الموصلات.
مبدأ التكامل في ميكانيكا الكم
في هذا السياق، دافع بور عن فكرة أصبحت حجر أساس في الفيزياء الكمية تسمى “مبدأ التكامل”، والذي يقول إن بعض خصائص الجسيم لا يمكن أن تظهر كاملة معا في القياس نفسه. بمعنى أبسط، يمكن لبعض التجارب أن تعرف المسار الذي سلكه الجسيم، ويمكن لتجارب أخرى ترى سلوكه الموجي عبر التداخل، لكن الجمع بينهما بوضوح كامل ليس ممكنا.
لدينا هنا نطاقان مختلفان من الموضوعات، كل منهما يرسم صورة جيدة متسقة مع ذاتها، لكن لا يمكن إدراجهما تحت نطاق آخر أكبر يتسق مع ذاته. لذلك فتلك القياسات التي نحصل عليها، بينما تبدو متناقضة للوهلة الأولى، لكنها لا تعبر عن أي اختلاف أو تقلب في خصائص موضوع دراستنا نفسه، بل هي فقط مجموعة صور لنفس الشيء، لنفس الفوتون.
باختصار، ليس هناك تناقض بين الطرق المختلفة لرؤية العالم الكمومي، لكنْ هناك تكامل، وهذا هو جوهر مبدأ التكامل.
خلاف بور وأينشتاين حول تفسير ميكانيكا الكم
في تجربة الشق المزدوج الشهيرة، إذا تركت الفوتون يمر عبر شقّين دون أن تسأل “من أي شق؟”، يظهر على الشاشة نمط تداخل، وهذا سلوك موجي. أمّا إذا حاولت معرفة “أي شق مرّ منه؟” الفوتون، يضعف التداخل أو يختفي، والآن نحن أمام سلوك جسيمات لا أمواج.
فقد قال أينشتاين: “قد أستطيع معرفة المسار دون أن أقتل التداخل”، واقترح فكرة ذكية، فطلب أن نجعل الشق نفسه يتحرك قليلا عندما يمر الفوتون، ومن ثم فقد يرتد بزخم صغير، هكذا تعرف المسار من الارتداد، ومع ذلك ربما يبقى التداخل، وبالتالي تسقط فكرة بور.
أما بور، فقد أجاب بمنطق بسيط لكنه عميق، يقول إنه إذا جعلت الشق حساسا لالتقاط الارتداد بدقة، فأنت تدخل تلقائيا قيود “عدم اليقين”، ما يعني أنك كلما أردت قياس الارتداد بدقة أكبر، صار موضع الشقّ نفسه “أكثر ضبابية”، وعندها يصبح نظام التداخل هشا، فيتدهور بالضرورة، ولا تنجح التجربة.
تأكيد مبدأ التكامل بتجارب حديثة
لم يختبر هذا عمليا إلا الآن، بحسب دراسة جديدة نشرت في دورية “فيزيكال ريفيو ليترز”، لأن الشق في التجارب التقليدية جسم كبير وثقيل، وارتداد فوتون واحد على جسم ضخم يكون ضئيلا للغاية، وتغرق الإشارة وسط ضوضاء الحرارة والاهتزازات.
الجديد أن الباحثين صنعوا “شقا” من ذرة روبيديوم واحدة خفيفة جدا، محبوسة في ملقط ضوئي ومبرّدة للغاية، بهذا تصبح الذرة حساسة لدرجة أن ارتداد الفوتون يصبح مهمًّا ويمكن رصده، وكأننا حققنا أخيرًا نسخة واقعية من فكرة أينشتاين.
بعد ذلك، قام الباحثون بخطوة حاسمة، وهي أنهم تحكموا في مقدار حساسية الذرة، بتغيير قوة المصيدة الضوئية. والنتائج الواضحة كانت أنه حين زادت قدرة التجربة على معرفة “أي مسار” من خلال الارتداد، ضعفت رؤية التداخل تدريجيا، أي أنه كلما اقتربت من معرفة المسار أكثر، خسرت التداخل أكثر، تماما كما قال بوهر قبل قرن.
هذا مهم، لأنه يحوّل جدلا فلسفيا قديما إلى قياس مباشر، ما يعني تطورا في علم الفيزياء، بل أشد أساساته جوهرية. الفيزياء الكمية، من خلال هذه التجارب، تواصل إثبات صحة مبادئها الأساسية.
من المتوقع أن تستمر الأبحاث في هذا المجال، مع التركيز على تطوير تقنيات أكثر دقة لقياس الظواهر الكمومية. قد يؤدي ذلك إلى فهم أعمق لطبيعة الواقع، وربما إلى تطوير تقنيات جديدة تعتمد على مبادئ ميكانيكا الكم، مثل الحوسبة الكمومية والاتصالات الكمومية. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة تواجه الباحثين، بما في ذلك الحفاظ على حالة التشابك الكمومي لفترة طويلة بما يكفي لإجراء العمليات الحسابية المعقدة. ستكون السنوات القادمة حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه التحديات يمكن التغلب عليها، وما إذا كانت الفيزياء الكمية ستفي بوعودها الثورية.












