حتى مطلع الألفية الجديدة، ظل الفضاء حكرا على الحكومات ووكالاتها الكبرى مثل وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا”، ووكالة الفضاء الروسية “روس كوزموس”. لكن هذا الواقع بدأ يتغير جذريا مع ظهور شركات خاصة يقودها أصحاب رؤى طموحة ورؤوس أموال ضخمة. في هذا السياق، برز اسمان سرعان ما أصبحا محور سباق فضائي جديد: “سبيس إكس” (SpaceX) بقيادة إيلون ماسك، و”بلو أوريجين” (Blue Origin) التي أسسها جيف بيزوس. هذا التحول في المشهد الفضائي، والذي يقوده القطاع الخاص، يمثل تطورا هاما في مجال استكشاف الفضاء.
أسس بيزوس شركة “بلو أوريجين” عام 2000 بعيدا عن الأضواء، واضعا نصب عينيه هدفا بعيد المدى يتمثل في بناء بنية تحتية بشرية دائمة في الفضاء. وبعد عامين، ظهر ماسك بمقاربة مختلفة وأكثر جرأة، حين أسس “سبيس إكس” عام 2002 بهدف واضح وصادم آنذاك هو نقل البشر إلى كواكب أخرى، بدءا من المريخ.
فلسفتان مختلفتان في استكشاف الفضاء ونتائج متباينة
منذ البداية، اختلفت فلسفة العمل بين الشركتين. فقد تبنّت “سبيس إكس” أسلوب “التطوير السريع والاختبار المكثف”، حتى لو رافق ذلك إخفاقات علنية كانفجارات الصواريخ التي لم تكن نهاية الطريق، بل خطوة في مسار التعلم. هذا النهج أثمر أول إنجاز تاريخي عام 2008، عندما أصبح صاروخ “فالكون1” أول صاروخ خاص يصل إلى المدار.
لاحقا، غيّر صاروخ “فالكون9” قواعد اللعبة كليا، حين نجحت “سبيس إكس” في إعادة المرحلة الأولى من الصاروخ والهبوط بها عموديا، ثم إعادة استخدامها مرات متعددة. هذا الإنجاز لم يكن تقنيا فقط، بل اقتصاديا أيضا، إذ خفّض تكلفة الإطلاق بشكل غير مسبوق، ما جعل “سبيس إكس” الخيار الأول للعديد من الحكومات والشركات.

في المقابل، سارت “بلو أوريجين” بوتيرة أبطأ وأكثر تحفظا. فقد ركزت في سنواتها الأولى على أبحاث الدفع وإعادة الاستخدام، قبل أن تطلق صاروخ “نيو شيبارد”، الذي نفّذ رحلات شبه مدارية ناجحة، حملت رواد فضاء وسياحا -من بينهم جيف بيزوس نفسه- إلى حافة الفضاء، مع هبوط متكرر وآمن للصاروخ والكبسولة.
المنافسة في مجال السياحة الفضائية
شهد عام 2024 منافسة حادة بين الشركتين في مجال السياحة الفضائية، حيث أعلنت كل منهما عن خطط لتقديم رحلات فضائية مدفوعة الأجر للعملاء. “بلو أوريجين” ركزت على الرحلات القصيرة إلى حافة الفضاء، بينما “سبيس إكس” تستهدف رحلات أطول تدور حول الأرض.
“سبيس إكس” تقود استكشاف الفضاء نحو آفاق جديدة
اليوم تُعد “سبيس إكس” العمود الفقري للإطلاقات الفضائية الغربية. فقد نفذت مئات الإطلاقات الناجحة، ونقلت أقمارا صناعية تجارية وعسكرية، فضلا عن رواد فضاء. أحد أبرز إنجازاتها كان برنامج “كرو دراغون” (Crew Dragon)، الذي أعاد للولايات المتحدة القدرة على إرسال رواد فضاء من أراضيها إلى محطة الفضاء الدولية بعد توقف دام سنوات.
بالإضافة إلى ذلك، أطلقت “سبيس إكس” مشروع “ستارلينك” (Starlink)، وهو أكبر كوكبة أقمار صناعية في التاريخ، تهدف لتوفير إنترنت عالمي عالي السرعة. وقد استُخدم فعليا في مناطق نائية ومناطق نزاع، مما أعطى المشروع بعدا إستراتيجيا يتجاوز الطابع التجاري.

ومنذ 2020 نفذت “سبيس إكس” مهمات مأهولة ناجحة لصالح “ناسا”، مثبتة أن الشركات الخاصة قادرة على أداء مهام كانت حكرا على الحكومات. هذا التعاون بين القطاعين العام والخاص يمثل نموذجًا جديدًا لتمويل وتنفيذ مشاريع الفضاء.
أما على المدى الأبعد، فيقف مشروع “ستارشب” (Starship) في صدارة طموحات ماسك. هذا الصاروخ العملاق، الأكبر في تاريخ البشرية، صُمم ليكون قابلا لإعادة الاستخدام، ولحمل البشر والبضائع إلى القمر والمريخ. ورغم الاختبارات الصعبة والانفجارات المتكررة، فإن التقدم التقني المتسارع يشير إلى أن”ستارشب” قد يكون حجر الأساس لعصر الاستيطان الفضائي.

لطالما وُجهت انتقادات إلى “بلو أوريجين” بسبب بطء تقدمها مقارنة بـ”سبيس إكس”، لكن عام 2025 شكّل نقطة تحول حقيقية. فقد نجحت الشركة في إطلاق صاروخها المداري الثقيل “نيو غلين” (New Glenn)، وفي إنجاز هبوط المرحلة الأولى على سفينة مسيّرة في المحيط، وهو نجاح يُعد الأول من نوعه للشركة، وثاني حالة تاريخيا بعد “سبيس إكس” لصاروخ بهذا الحجم.
الأهم أن”نيو غلين” دخل مباشرة في مهام ذات وزن علمي كبير، من خلال إطلاق مهمات “إسكابيد” (ESCAPADE) التابعة لـ”ناسا” إلى المريخ، ما منح “بلو أوريجين” مصداقية طال انتظارها في سوق الإطلاقات المدارية الثقيلة.
النتيجة الأهم أن البشرية هي الرابح الأكبر، فالمنافسة بين ماسك وبيزوس لا تدفع حدود التكنولوجيا فحسب، بل تعيد تعريف علاقتنا بالفضاء من حلم بعيد، إلى مجال اقتصادي وإستراتيجي مفتوح، قد يحدد ملامح القرن الحادي والعشرين. من المتوقع أن تشهد السنوات القادمة مزيدًا من التطورات في مجال تكنولوجيا الصواريخ، مع التركيز على تطوير أنظمة دفع أكثر كفاءة وتقليل تكاليف الوصول إلى الفضاء.












