اكتشف باحثون أدلة جديدة على استخدام السموم في الصيد يعود تاريخها إلى 60 ألف عام في جنوب أفريقيا، مما يمثل أقدم دليل مؤكد على هذه الممارسة حتى الآن. هذه النتائج، التي نشرت في دورية “ساينس أدفانسز”، تلقي الضوء على مدى معرفة الإنسان القديم بالنباتات واستخدامها في تطوير تقنيات الصيد. يشير الاكتشاف إلى فهم متقدم للكيمياء النباتية لدى المجتمعات البشرية القديمة.
تم العثور على الأدلة في موقع “المأوى الصخري بأومهلاتوزانا” بإقليم كوازولو-ناتال، حيث تم تحليل بقايا كيميائية على رؤوس سهام كوارتزية. تُظهر التحاليل وجود مواد سامة مشتقة من نباتات محلية، مما يؤكد أن الإنسان القديم كان يستخدم هذه النباتات لزيادة فعالية أسلحته في الصيد. هذا الاكتشاف يغير فهمنا لتطور الأدوات والتقنيات لدى البشر الأوائل.
قوة الكيمياء والسموم في الصيد القديم
اعتمد الباحثون على تقنية “التحليل بالكروماتوغرافيا الغازية المقترنة بمطياف الكتلة” (GC-MS) لتحليل البقايا الموجودة على رؤوس السهام. أظهرت هذه التحاليل وجود قلويات نباتية سامة، وتحديدًا مركبي “بوفانيدرين” و”إيبيبوفانيزين”، على خمسة من أصل عشرة رؤوس سهام تم فحصها. هذه المركبات معروفة بخصائصها السامة القوية.
يُعتقد أن المصدر الرئيسي لهذه السموم هو نبات “بوفون ديستيشا”، المعروف محليًا باسم “بصلة السم”. أظهرت الدراسات المعملية أن مستخلص هذا النبات يمكن أن يكون قاتلاً للحيوانات، وحتى يسبب أعراضًا خطيرة لدى البشر. هذا يشير إلى أن الإنسان القديم كان على دراية جيدة بخصائص هذا النبات وقدرته على شل حركة الفريسة أو قتلها.
تأثير السم على تقنيات الصيد
إن استخدام السموم على رؤوس السهام يمثل تطورًا هامًا في تقنيات الصيد القديمة. بدلاً من الاعتماد على القوة البدنية لإحداث ضرر كبير للفريسة، كان الصيادون قادرين على استخدام السم لزيادة فرص نجاحهم. هذا كان مفيدًا بشكل خاص في صيد الحيوانات الكبيرة أو الخطيرة، حيث يمكن أن يقلل من خطر الإصابة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن استخدام السموم يسمح للصيادين بالصيد من مسافة أبعد، حيث يمكن أن ينتشر السم في جسد الفريسة بعد فترة قصيرة من الإصابة. هذا يزيد من فرص القبض على الفريسة قبل أن تتمكن من الهرب أو مهاجمة الصياد. تعتبر هذه الاستراتيجية فعالة بشكل خاص في البيئات التي يصعب فيها الاقتراب من الفريسة.
التحقق من صحة الاكتشاف
لم يقتصر الباحثون على تحليل رؤوس السهام القديمة، بل قاموا أيضًا بمقارنة النتائج بعينات ضابطة من سهام تاريخية أحدث، عمرها حوالي 250 عامًا، محفوظة في السويد. أظهرت هذه المقارنة وجود بصمة كيميائية مماثلة على كلا المجموعتين من السهام، مما يدعم صحة الاكتشاف. كما قاموا بتحليل مستخلص حديث من نبات “بوفون ديستيشا” للتأكد من تطابق المركبات السامة.
الأدلة تشير إلى أن الإنسان القديم لم يستخدم السموم بشكل عشوائي، بل كان يطبقها بعناية على رؤوس السهام. لاحظ الباحثون أن توزيع البقايا العضوية على أحد الأسهم كان على الحافة مع لاصق التثبيت، مما يشير إلى نية واضحة لاستخدام السم في الصيد. هذا يدل على مستوى عالٍ من المهارة والمعرفة لدى الصيادين القدماء.
تُظهر هذه الدراسة أهمية البحث في بقايا الأدوات القديمة للكشف عن معلومات جديدة حول سلوك الإنسان وتطوره. إن استخدام التقنيات الكيميائية الحديثة يمكن أن يوفر رؤى قيمة حول الممارسات التي كانت شائعة في الماضي، والتي قد لا تكون واضحة من خلال التحليل الأثري التقليدي. تعتبر هذه الاكتشافات بمثابة إضافة هامة إلى فهمنا لتاريخ البشرية.
من المتوقع أن يستمر الباحثون في تحليل المزيد من العينات من موقع “أومهلاتوزانا” ومواقع أخرى في جنوب أفريقيا، بهدف تحديد مدى انتشار استخدام السموم في الصيد القديم. كما يخططون لإجراء دراسات إضافية حول تأثير هذه السموم على الحيوانات والبشر. ستساعد هذه الأبحاث في بناء صورة أكثر اكتمالاً عن حياة الإنسان القديم وتقنياته.













