يأتي فيلم “صوت هند رجب” ليؤكد توجه المخرجة التونسية كوثر بن هنية نحو معالجة القضايا السياسية والاجتماعية في العالم العربي، وتحديدًا في فلسطين. الفيلم، الذي يركز على قصة الطفلة الفلسطينية هند رجب، المحاصرة تحت القصف في غزة، أثار جدلاً واسعًا وحصد جوائز مرموقة، مما جعله محط اهتمام نقدي وجماهيري كبير. هذا العمل السينمائي يمثل إضافة مهمة إلى السينما العربية المعاصرة، ويطرح أسئلة عميقة حول الحرب والمسؤولية الإنسانية.
عُرض الفيلم لأول مرة في مهرجان فينيسيا السينمائي عام 2026، حيث نال استحسانًا كبيرًا من النقاد والجمهور. وقد حاز على الجائزة الكبرى للجنة التحكيم (Silver Lion – Grand Jury Prize)، بالإضافة إلى ترشيحات لجوائز الأوسكار والغولدن غلوب والبافتا. الفيلم من بطولة عامر حليحل وكلارا خوري ومعتز ملحيس وسجا كيلاني، ويصور اللحظات الأخيرة في حياة هند رجب من خلال عيون طاقم الإسعاف.
إعادة بناء المأساة في فيلم “صوت هند رجب”
يعتمد فيلم “صوت هند رجب” على إعادة بناء الأحداث المروعة التي عاشتها الطفلة هند رجب قبل وفاتها، وذلك من خلال التركيز على المكالمة الهاتفية الطويلة بينها وبين طاقم الإسعاف. تهدف المخرجة إلى إبراز العجز الإنساني والبيروقراطية التي أعاقت عملية إنقاذها. الفيلم لا يقدم سردًا تقليديًا للأحداث، بل يركز على لحظة الانتظار القاتلة، وكيف تحولت هذه اللحظات إلى حكم بالإعدام.
تتعمد بن هنية إقصاء المشاهد الصادمة للقصف والدمار، والاكتفاء بالصوت والزمن كأساس للحبكة. هذا الاختيار الأسلوبي يهدف إلى تكثيف الواقع وكشف أبعاده الإنسانية والأخلاقية، بحيث يصبح الفيلم شهادة سينمائية على حدث مأساوي، وفي الوقت نفسه تجربة درامية مؤثرة.
ينتمي الفيلم إلى نوع “الدوكيودراما”، وهو نمط سينمائي يمزج بين الوثائقية والدراما. يستخدم هذا النوع من الأفلام لإحياء وقائع حقيقية وإتاحة الفرصة للمتلقي لمعايشتها وجدانيًا. في “صوت هند رجب”، يتم استخدام تسجيلات صوتية حقيقية لمكالمة الاستغاثة، بينما يتم تمثيل غرفة الاتصالات وطواقم الإسعاف دراميًا بدقة.
التركيز على العجز والبيروقراطية
لا يصور الفيلم الجريمة بشكل مباشر، بل يركز على العجز التام الذي يعاني منه طاقم الإسعاف والجهات المسؤولة. هذا العجز ليس مجرد خلفية درامية، بل هو بطل رئيسي يقود السرد. فالفيلم يعرض كيف أن البيروقراطية والتأخير في الحصول على التصاريح يمكن أن يكونا قاتلين، وكيف أن الانتظار نفسه يمكن أن يتحول إلى سلاح.
غرفة الاتصالات في الفيلم ليست مجرد مكان، بل هي مسرح للمأساة. نسمع فيها أصواتًا متقطعة، ومحاولات إنقاذ متكررة، وتعليمات لا يمكن تنفيذها. هذا الفضاء المغلق يعكس حالة الضياع واليأس التي يعيشها العاملون في مجال الإغاثة.
أين يكمن الخطأ؟
يثير فيلم “صوت هند رجب” تساؤلات حول المسؤولية عن مأساة الطفلة هند رجب. الفيلم يتعمد عدم إظهار الجاني بشكل مباشر، مما يفتح الباب أمام تفسيرات مختلفة. البعض يرى أن هذا الغياب يهدف إلى إبراز النظام الذي سمح بحدوث الجريمة، بينما يرى آخرون أنه يفقد الجريمة حدتها السياسية. الفيلم يركز على العجز البيروقراطي والمسؤولية الأخلاقية للجهات المعنية.
الفيلم يطرح سؤالًا مهمًا حول دور السينما في معالجة القضايا الحساسة والمأساوية. هل إعادة استحضار قصة هند رجب هو فعل إنصاف أم استغلال؟ هذا السؤال يفتح نقاشًا أخلاقيًا حول حق السينما في الاقتراب من الألم بهذه السرعة. الفيلم يمثل تحديًا للمشاهدين، ويجبرهم على مواجهة الحقائق المرة والتفكير في المسؤولية الجماعية عن ما يحدث في غزة.
الفيلم يثير أيضًا نقاشًا حول دور الإعلام في تغطية الأحداث المأساوية. هل يجب على الإعلام أن يركز على عرض الحقائق بشكل مباشر، أم يجب عليه أن يتبنى أساليب أكثر تعقيدًا لإثارة المشاعر والتفكير النقدي؟
من المتوقع أن يستمر فيلم “صوت هند رجب” في إثارة الجدل والنقاش خلال الأشهر القادمة. سيشكل الفيلم إضافة مهمة إلى السينما العربية المعاصرة، وسيكون له تأثير كبير على الوعي العام بالقضية الفلسطينية. من المهم متابعة ردود الفعل النقدية والجماهيرية على الفيلم، وتقييم تأثيره على المدى الطويل. كما يجب مراقبة نتائج الترشيحات المختلفة للجوائز السينمائية المرموقة، والتي قد تساهم في زيادة شهرة الفيلم وتأثيره.













