لم تكن هوليوود مجرد عاصمة صناعة السينما في العالم، بل أيضاً مصنعاً للأساطير والأحلام. ومع ذلك، يشهد قطاع السينما في هوليوود تحولات جذرية قد تعيد تشكيل خريطة صناعة الأفلام العالمية. فهل تشهد هوليوود أفولاً لصالح مراكز سينمائية جديدة؟ هذا ما تكشفه الإحصائيات والتحليلات المتزايدة.
تراجع هيمنة هوليوود: تحولات في صناعة السينما
على مدار القرن الماضي، شكلت أفلام هوليوود تصورات العالم، وصنعت رموزاً وأبطالاً. وكانت شريكاً رئيسياً في تنشئة أجيال، وساهمت في الترويج للنموذج الغربي. ولكن، تلك الهيمنة بدأت في التلاشي مع ظهور تحولات تكنولوجية وسياسية واجتماعية واقتصادية أعادت تشكيل ذائقة الأجيال الجديدة.
يعترف كبار العاملين في مدينة الأضواء بأنها تواجه لحظة فارقة. وقد تأثرت مكانة هوليوود بانخفاض تكلفة الإنتاج، وانتشار التكنولوجيا الرقمية، وصعود قوى سينمائية جديدة في آسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية. يتجلى هذا في نماذج الإنتاج والتوزيع المختلفة التي بدأت تظهر بعيداً عن النظام التقليدي الذي تتبعه الاستوديوهات الكبرى.
الإضرابات وتأثيرها على الإنتاج
أدت إضرابات الكتاب والممثلين في عام 2023 إلى انخفاض حاد في إنتاج الأفلام والبرامج التلفزيونية في الولايات المتحدة. وشهدت لوس أنجلوس، مركز الصناعة، أحد أضعف أعوامها الإنتاجية منذ أكثر من عقد. ولم يقتصر هذا الانخفاض على المشاريع المستقلة، بل طال أيضاً الإنتاجات الضخمة للاستوديوهات الكبرى التي تأثرت بارتفاع التكاليف وعدم الاستقرار في سوق العمل.
نتيجة لذلك، اختارت العديد من الشركات نقل إنتاجاتها إلى كندا والمملكة المتحدة وأوروبا الشرقية، للاستفادة من الحوافز الضريبية وتكاليف الإنتاج المنخفضة. ويعتبر فيلم “ديدبول وولفرين” (Deadpool & Wolverine) مثالاً على ذلك، حيث تم تصويره في المملكة المتحدة وكندا.
صعود منصات البث الرقمي
تلعب منصات البث الرقمي دوراً محورياً في هذا التحول. فقد غيرت شركات مثل نتفليكس طرق تقييم الفيلم ومعايير نجاحه، مع التركيز على ساعات المشاهدة بدلاً من إيرادات شباك التذاكر. وقد ساهم هذا في ظهور أعمال سينمائية من مناطق مختلفة حول العالم، مثل المسلسل الإسباني “البروفيسور” (Money Heist) والمسلسل الكوري الجنوبي “لعبة الحبار” (Squid Game)، والتي حققت نجاحاً عالمياً واسعاً.
وتشير تقارير شركة “أولسبرغ إس بي آي” إلى أن أكثر من 120 منافساً حول العالم يقدمون حالياً حوافز لإنتاج الأفلام والتلفزيون، مما يخلق بيئة تنافسية عالمية. وقد شهدت كندا زيادة كبيرة في الإنفاق على الإنتاج السمعي البصري بفضل الاستثمارات الأجنبية القادمة من منصات البث العالمية.
تأثير المفاهيم الجديدة على توزيع الأفلام
يتضح تأثير التغييرات في صناعة السينما في تزايد اعتماد الاستوديوهات على استوديوهات أخرى خارج أمريكا لتوزيع أفلامها. ويظهر ذلك في اعتماد “وارنر بروذرز” المتزايد على استوديوهات “ليفسدن” في لندن، الأمر الذي يعكس التحول الاقتصادي في عمليات الإنتاج والتوزيع.
بالإضافة إلى ذلك، يشهد قطاع دور العرض السينمائي تراجعاً في الإقبال، مع تفضيل العديد من المشاهدين مشاهدة الأفلام في منازلهم عبر منصات البث. وقد أدت هذه التغييرات إلى إغلاق العديد من دور السينما وإعادة هيكلة سلاسل دور العرض الكبرى.
مستقبل صناعة السينما
يبدو أن مستقبل صناعة السينما يتجه نحو نموذج عالمي أكثر تشظياً وتنوعاً. فبدلاً من الهيمنة المركزية لهوليوود، نشهد صعود قوى سينمائية جديدة في مناطق مختلفة من العالم. وستستمر منصات البث الرقمي في لعب دور رئيسي في هذا التحول، من خلال دعم الإنتاج المحلي وتقديم محتوى متنوع يناسب مختلف الأذواق.
وفي ظل هذه التغييرات، من المتوقع أن تشهد السنوات القادمة المزيد من المنافسة والابتكار في صناعة السينما. وتعتبر زيادة الحوافز الحكومية في دول مختلفة، وتوسيع نطاق التعاون الدولي، من العوامل الرئيسية التي ستشكل مستقبل هذا القطاع، وسيكون على هوليوود التكيف مع هذه التغيرات للحفاظ على مكانتها كمركز رئيسي لصناعة السينما العالمية. ومن المهم متابعة تطورات مؤتمر “كان” السينمائي القادم، والذي من المتوقع أن يناقش هذه القضايا الهامة.













