نُشر في 6/1/2026
|
آخر تحديث: 21:47 (توقيت مكة)
قبل حوالي 3.7 مليار سنة، كان كوكب الأرض مختلفًا تمامًا عما نعرفه اليوم، حيث كانت النشاطات البركانية واسعة النطاق، وكانت القشرة الصخرية تتشكل وتتفكك باستمرار. دراسة تاريخ الأرض المبكر تمثل تحديًا كبيرًا للعلماء نظرًا لندرة الصخور التي تعود إلى تلك الحقبة، مما يجعل كل عينة ناجية كنزًا يحمل أسرار نشأة الكوكب. هذا الاهتمام المتزايد دفع العلماء للتركيز على قطع صخرية قديمة في منطقة ميرتشيسون بغرب أستراليا.
وفقًا لدراسة حديثة نشرت في دورية “نيتشر كوميونيكيشنز”، قام العلماء بفحص نوع من الصخور النارية يسمى “أنورثوزيت”، والذي يعتبر من أقدم أنواع الصخور على مستوى العالم. تركزت الأبحاث على بلورات صغيرة داخل هذه الصخور، تُعرف باسم “بلاجيوكلاس”، والتي تحتفظ بسجل كيميائي دقيق للبيئة التي تشكلت فيها، خاصةً إذا كانت هذه البلورات سليمة من التغيرات اللاحقة.
سر السترونشيوم والكالسيوم
ركز فريق البحث على نظائر عنصرين كيميائيين أساسيين، وهما السترونشيوم والكالسيوم. النظائر هي ذرات لنفس العنصر، تتشابه في عدد البروتونات ولكنها تختلف في الكتلة وبعض الخصائص الأخرى. تعتبر نظائر السترونشيوم والكالسيوم بمثابة “ساعة” دقيقة، تسجل الظروف التي سادت وقت تكونها قبل مليارات السنين.
يهدف العلماء بشكل خاص إلى فهم تطور وشاح الأرض: هل مر بمرحلة استنزاف مبكرة أم لا؟ يشير “الاستنزاف” إلى فقدان الوشاح لجزء من مكوناته القادرة على تكوين الصهارة، وهي الصخور المنصهرة الموجودة تحت سطح الأرض والتي تغذي البراكين. في هذه الفترة المبكرة، كانت الصهارة مسؤولة عن بناء القشرة القارية، مما يجعل تحديد حدوث “الاستنزاف” مؤشرًا على بداية تشكل القارات الكبيرة.
أظهرت النتائج الأولية للدراسة مفاجأة، حيث تشير البيانات إلى أن نمو القارات الأولى من هذه الصهارة بدأ قبل حوالي 3.5 مليار سنة، أي بعد مليار سنة تقريبًا من تشكل كوكبنا. هذا لا ينفي وجود قشرة أرضية قبل ذلك، ولكن الدراسة تلقي الضوء على بناء قارات كبيرة ومستقرة في تلك الفترة، وهو ما يختلف عن التصورات السائدة لدى علماء الجيولوجيا.

ما كشفه القمر عن تاريخ الأرض
بالإضافة إلى ذلك، قام الفريق بمقارنة قياساتهم مع عينات من صخور الأنورثوزيت التي جُلبت من القمر خلال مهمات أبولو في سبعينيات القرن الماضي. أظهرت المقارنة توافقًا مع فرضية “الاصطدام العملاق”، والتي تفترض أن الأرض والقمر كان لهما تكوين أولي مماثل قبل حوالي 4.5 مليار سنة.
تقول هذه الفرضية أن جرمًا سماويًا بحجم المريخ اصطدم بالأرض الفتية، مما أدى إلى طاقة هائلة قذفت أجزاء كبيرة من الأرض إلى الفضاء، وتجمعت لتشكل القمر. هذا الاكتشاف يساهم في إعادة تقييم النماذج الحالية حول تطور الكواكب وتاريخ الأرض المبكر.
تعتبر هذه الدراسة خطوة مهمة نحو فهم أفضل لتاريخ الحياة على الأرض، حيث أن معرفة توقيت تشكل القارات أمر بالغ الأهمية لفهم تطور المناخ والمحيطات والبيئات التي استضافت الحياة. الجيولوجيا هي المفتاح لفهم الماضي والحاضر والمستقبل.
من المتوقع أن يقوم العلماء بتحليل المزيد من العينات الصخرية من مناطق مختلفة حول العالم، بالإضافة إلى استخدام نماذج حاسوبية متطورة، لتأكيد هذه النتائج وتحديد التسلسل الزمني لتشكيل القارات بشكل أكثر دقة. ستركز الأبحاث المستقبلية أيضًا على فهم العمليات التي أدت إلى “الاستنزاف” في وشاح الأرض، وكيف أثرت هذه العمليات على تطور الكوكب على المدى الطويل. لا تزال هناك العديد من الأسئلة التي تتطلب إجابات، ولكن هذه الدراسة تمثل تقدمًا كبيرًا في فهمنا لتاريخ الأرض المبكر.













