كشفت دراسة حديثة نشرتها دورية “نيتشر إلكترونيكس” عن تطوير غرسة دماغية لاسلكية ثورية مصنوعة من السيليكون، تهدف إلى تحسين التواصل بين الدماغ وأجهزة الكمبيوتر الخارجية. يُعرف هذا النظام باسم واجهة الدماغ والحاسوب (BCI)، ويُعد خطوة كبيرة نحو علاجات متقدمة للاضطرابات العصبية والحركية.
تعتمد هذه التقنية الجديدة على التقاط الإشارات الكهربائية من سطح القشرة الدماغية ونقلها لاسلكيًا إلى جهاز خارجي لمعالجتها بواسطة خوارزميات متطورة. تتميز الغرسة بصغر حجمها وقدرتها العالية على نقل البيانات، مما يفتح آفاقًا واسعة لتطبيقات طبية متنوعة.
الغرسة الدماغية: تصميم مبتكر وقدرات فائقة
تتميز الغرسة بمرونتها الشديدة، حيث يبلغ سمكها حوالي 50 ميكرومترًا، وهي أصغر بكثير من الأجهزة التقليدية. يسمح هذا التصميم بوضعها بين الدماغ والجمجمة، مما يضمن التصاقًا وثيقًا بسطح الدماغ دون التسبب في تلف كبير للأنسجة. هذا يقلل بشكل كبير من المخاطر المرتبطة بالجراحة.
يحتوي الجهاز على أكثر من 65 ألف قطب كهربائي لالتقاط الإشارات من القشرة الدماغية، مع القدرة على تسجيل ما يصل إلى 1024 قناة في وقت واحد. تتيح هذه الكثافة العالية من الأقطاب مراقبة دقيقة لنشاط الدماغ وتحديد مناطق معينة مسؤولة عن وظائف مختلفة.
أهمية الواجهة البيولوجية للقشرة الدماغية
وفقًا للباحثين، فإن هذه الغرسة تمثل تقدمًا كبيرًا مقارنة بواجهات الدماغ والحاسوب الحالية. غالبًا ما تكون الأنظمة التقليدية محدودة بسبب التوصيلات السلكية، أو حجمها الكبير، أو انخفاض دقة الإشارات التي تلتقطها. تتغلب الغرسة الجديدة على هذه القيود من خلال توفير اتصال لاسلكي وكثافة عالية من الأقطاب الكهربائية.
يقول البروفيسور كين شيبارد، أستاذ الهندسة الكهربائية والطبية الحيوية في جامعة كولومبيا: “معظم الأنظمة القابلة للزرع تعتمد على علبة إلكترونية كبيرة الحجم. غرسة جهازنا هي شريحة دارة متكاملة رقيقة للغاية تنزلق بين الدماغ والجمجمة، وتستقر على الدماغ مثل قطعة منديل ورقي.”
تطبيقات واعدة في العلاجات العصبية
تفتح هذه التقنية آفاقًا جديدة لعلاج مجموعة واسعة من الحالات العصبية، بما في ذلك الصرع والشلل والاضطرابات النفسية. يمكن للغرسة أن تساعد في تحديد النشاط الدماغي غير الطبيعي المرتبط بالنوبات الصرعية، وتحفيز مناطق معينة لوقفها قبل انتشارها. كما يمكن استخدامها لفك تشفير نوايا الحركة لدى المرضى المصابين بالشلل، مما يتيح لهم التحكم في الأطراف الاصطناعية أو أجهزة الكمبيوتر بأفكارهم.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تُستخدم الغرسة الدماغية في تطوير علاجات جديدة للاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب والقلق. من خلال تعديل النشاط الدماغي في مناطق معينة، قد يكون من الممكن تخفيف الأعراض وتحسين نوعية حياة المرضى. تعتبر هذه التطورات جزءًا من مجال أوسع يُعرف بالتحفيز العميق للدماغ (DBS)، والذي يستخدم بالفعل لعلاج بعض الحالات مثل مرض باركنسون.
تُعد الأطراف الاصطناعية البصرية القشرية مجالًا آخر واعدًا لتطبيق هذه التقنية. من خلال تحفيز القشرة البصرية بشكل مباشر، يمكن للغرسة أن تساعد المرضى الذين فقدوا بصرهم على إدراك الأشكال والألوان والحركة. تُظهر الأبحاث أن هذه الأجهزة يمكن أن توفر مستوى معينًا من الرؤية، مما يسمح للمرضى بالتنقل بشكل أكثر استقلالية.
مستقبل واجهات الدماغ والحاسوب
لا تزال هذه التقنية في مراحلها الأولى من التطوير، وهناك العديد من التحديات التي يجب التغلب عليها قبل أن تصبح متاحة للاستخدام على نطاق واسع. تشمل هذه التحديات تحسين متانة الغرسة، وتقليل خطر الالتهابات، وتطوير خوارزميات أكثر دقة لمعالجة الإشارات الدماغية. ومع ذلك، فإن التقدم المحرز حتى الآن مشجع للغاية، ويشير إلى أن واجهات الدماغ والحاسوب قد تلعب دورًا حاسمًا في مستقبل الرعاية الصحية.
من المتوقع أن تبدأ التجارب السريرية على البشر في غضون السنوات القليلة القادمة. ستهدف هذه التجارب إلى تقييم سلامة وفعالية الغرسة في علاج مجموعة متنوعة من الحالات العصبية. إذا نجحت هذه التجارب، فقد نرى هذه التقنية متاحة للمرضى في جميع أنحاء العالم بحلول نهاية العقد. يجب مراقبة التقدم في تطوير المواد الحيوية، وتقنيات التصوير الدماغي، والذكاء الاصطناعي لتقييم التأثير الكامل لهذه التكنولوجيا.












