في 8 ديسمبر 2025، شهدت اليابان زلزالاً قوياً بلغت قوته 7.5 درجة على مقياس ريختر، ضرب السواحل الشمالية الشرقية، مما أثار تحذيرات من موجات تسونامي وإخلاء أكثر من 90 ألف شخص. ورغم قوته، التي جعلته الأقوى منذ زلزال وتسونامي توهوكو عام 2011، فإن الأضرار كانت محدودة نسبياً، مع تسجيل إصابات طفيفة فقط، وهو ما أعاد تسليط الضوء على قدرة اليابان المتميزة على مقاومة الزلازل.
يعود هذا التفوق إلى عقود من الاستثمار في البحث العلمي، وتحديث قوانين البناء، والاستعداد المسبق، مما قلل بشكل كبير من الخسائر المحتملة في الأرواح والممتلكات. وقد أثارت هذه الحادثة إعجاب الخبراء حول العالم، وتساءلوا عن الأسباب الكامنة وراء هذا الأداء الملحوظ في مواجهة الكوارث الطبيعية.
اليابان ومقاومة الزلازل: نهج متكامل
تقع اليابان في منطقة “حلقة النار” في المحيط الهادئ، وهي منطقة نشطة زلزالياً بسبب التقاء عدة صفائح تكتونية. هذا الموقع الجغرافي يجعل البلاد عرضة بشكل مستمر للزلازل، حيث تشهد أكثر من 100 ألف هزة أرضية سنوياً، معظمها غير محسوس. ولكن، وكما أوضح البروفيسور كويتشي كوسونوكي من معهد أبحاث الزلازل بجامعة طوكيو، فإن قوة الزلزال ليست العامل الوحيد المحدد لمستوى الدمار.
وأضاف كوسونوكي أن المعايير الهندسية الصارمة، وجودة التنفيذ، والاستعداد المسبق تلعب دوراً حاسماً في الحد من الخسائر. فالتركيز ينصب على تصميم مبانٍ قادرة على تحمل الاهتزازات الأرضية، بدلاً من محاولة مقاومتها بشكل كامل، وهو ما يفسر الأداء الجيد للمباني اليابانية خلال الزلزال الأخير.
تطور قوانين البناء اليابانية
بدأت اليابان في تطوير قوانين البناء الخاصة بها بعد الدمار الهائل الذي خلفه زلزالا مينو-أواري عام 1891 وكانتو العظيم عام 1923. أدت هذه الكوارث إلى إدراك أهمية وجود لوائح بناء صارمة لضمان سلامة المباني في حالة وقوع زلزال. شهد قانون البناء عام 1950 تعديلات كبيرة، وتلاه تعديل عام 1981 المعروف باسم “شين-تايشين”، والذي عزز بشكل كبير مقاومة الزلازل بعد زلزال مياغي البحري.
تحدد هذه القواعد معايير تصميمية وهندسية يتم تحديثها باستمرار لضمان صمود المباني أمام الزلازل الصغيرة وتقليل الخسائر البشرية في الزلازل الكبرى. وقد أظهرت الدراسات أن 97% من المباني التي انهارت خلال زلزال هانشين عام 1995 كانت قد بنيت قبل تطبيق معايير عام 1981، مما يؤكد فعالية هذه القواعد.
تقنيات مبتكرة في التصميم الزلزالي
بالإضافة إلى القواعد الصارمة، تستخدم اليابان مجموعة متنوعة من التقنيات المبتكرة في تصميم المباني لمقاومة الزلازل. تشمل هذه التقنيات تقوية الأساسات، واستخدام هياكل معززة، ووصلات مرنة، وأنظمة عزل المباني عن الاهتزازات المباشرة. تعتمد بعض المباني على نظام العزل القاعدي، الذي يضع المبنى فوق محامل مطاطية أو ممتصات صدمات لتقليل تأثير الزلازل.
كما تستخدم المخمدات الزلزالية المثبتة على امتداد ارتفاع المبنى لتقليل شدة الاهتزاز. وتشمل التقنيات الحديثة أيضاً ما يعرف بـ”المنازل الطافية”، التي ترفع المبنى مؤقتًا عن الأرض أثناء الزلازل لتقليل الضرر. تجسد هذه التقنيات التزام اليابان بالابتكار المستمر في مجال الهندسة الزلزالية.
دروس من الماضي والاستعداد للمستقبل
لم تكتفِ اليابان بتطبيق التقنيات الحديثة، بل استمرت في دراسة آثار كل زلزال كبير من خلال مسوح علمية دقيقة. تُستخدم نتائج هذه المسوحات في تحديث قوانين البناء باستمرار لتعزيز السلامة الزلزالية وتقليل الخسائر المستقبلية. كما أن هناك تركيزاً على فهم التحديات الثانوية التي قد تنجم عن الزلازل، مثل الحرائق وأمواج التسونامي.
ومع ذلك، يقر الخبراء بأن أي نظام لمقاومة الزلازل ليس معصوماً من الفشل. فالمخاطر تختلف حسب موقع المبنى، وظروف التربة، وقوة الزلزال. وتشير التقديرات إلى أن هناك احتمالاً بنسبة 70% لحدوث زلزال كبير في طوكيو خلال الثلاثين عاماً القادمة، مما يستدعي المزيد من الاستعداد والتحضير. تعتبر السلامة الزلزالية تحدياً مستمراً يتطلب جهوداً متواصلة.
من المتوقع أن تستمر اليابان في الاستثمار في البحث والتطوير في مجال مقاومة الزلازل، وتحديث قوانين البناء، وتحسين أنظمة الإنذار المبكر. كما أن هناك حاجة إلى زيادة الوعي العام حول مخاطر الزلازل وكيفية الاستعداد لها. ستظل اليابان، بلا شك، في طليعة الدول التي تسعى إلى حماية نفسها من هذه الكوارث الطبيعية، مع التركيز على التعلم من التجارب السابقة وتطبيق أحدث التقنيات.













