تقف مدينة حلب اليوم، بعد سنوات من الحرب المدمرة، أمام تحديات هائلة في عملية إعادة الإعمار والتنمية. يشهد ملايين السوريين العائدين إلى ديارهم، بما في ذلك أحياء حلب المتضررة، واقعًا صعبًا يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة. هذا التقرير يسلط الضوء على الوضع الحالي في المدينة، والجهود المبذولة لإحيائها، والتحديات التي تواجه السكان المحليين.
أظهر تقرير حديث نشرته صحيفة غارديان البريطانية، أعده المصور والصحفي غيث عبد الأحد، أن أجزاء كبيرة من حلب تحولت إلى هياكل خرسانية مهجورة، وأن مظاهر الحياة الطبيعية أصبحت نادرة في هذه المدينة التي كانت ذات يوم مركزًا تجاريًا وثقافيًا هامًا في المنطقة. يعود قرابة ثلاثة ملايين سوري إلى البلاد بعد سنوات من النزوح، لكنهم يواجهون صعوبات جمة في الاستقرار.
إعادة إعمار حلب: تحديات ما بعد الحرب
وفقًا لتقديرات مسؤول محلي في حلب، فإن حوالي ثلثي المدينة قد دُمرت بسبب القتال. عملية إزالة الأنقاض وحدها ستستغرق سنوات طويلة، بينما قد يستغرق الأمر عقودًا حتى تعود حلب إلى سابق عهدها. تعتمد معظم جهود الترميم الحالية على المبادرات الفردية وغير المنظمة، مما يجعلها محفوفة بالمخاطر، ولكنها في الوقت نفسه الخيار الوحيد المتاح للكثيرين الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف الإيجارات أو العيش في مخيمات اللاجئين.
شهدت أحياء حلب الشمالية تصعيدًا عسكريًا في مطلع شهر يناير 2026، بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية، تركز في مناطق الشيخ مقصود والأشرفية. انتهى القتال بخروج قوات سوريا الديمقراطية من هذه الأحياء نحو مناطق شمال شرق سوريا. هذا التصعيد أضاف طبقة أخرى من التعقيد إلى الوضع الإنساني والاقتصادي في المدينة.
الوضع الإنساني والاقتصادي
يعاني سكان حلب من نقص حاد في الخدمات الأساسية، مثل المياه والكهرباء والرعاية الصحية. بالإضافة إلى ذلك، يواجهون صعوبات اقتصادية كبيرة، حيث ارتفعت معدلات البطالة والفقر بشكل ملحوظ. أدى تدفق البضائع الرخيصة من الصين إلى تضرر الصناعات المحلية، مما فاقم الأوضاع الاقتصادية.
التقى المراسل بغيث عبد الأحد بأبو عرب، وهو أحد سكان حي العامرية الذين عادوا إلى منازلهم المدمرة. وجد أبو عرب منزله بلا سقف، وأعمدة مكشوفة، وجدران سوداء من أثر الحرائق. بدأ أبو عرب في ترميم منزله بمفرده، ويضطر للنوم بجانب أكياس الإسمنت لحمايتها من السرقة، بينما تنتظر عائلته في سكن مستأجر.
يروي أبو عرب قصصًا عن الماضي، عندما كان منزله عيادة في الطابق الأرضي، ومخزنًا في القبو، وحديقة صغيرة على السطح. هذه الذكريات هي ما يشجعه على مواصلة مهمة إعادة البناء الشاقة. كما يذكر أبو عرب كيف تعرض للاعتقال والتعذيب على يد أجهزة الأمن السورية، وكيف اضطر لحمل السلاح للدفاع عن المدينة.
تأثير الحرب على التراث الثقافي
تسببت الحرب في أضرار جسيمة للتراث الثقافي في حلب، بما في ذلك أسواق المدينة القديمة والحمامات والمساجد. دُمرت أجزاء من الجامع الكبير في حلب، وسقطت مئذنته الشهيرة. أدت المعارك والأنفاق المفخخة إلى محو معالم عمرها قرون. هذا الدمار يمثل خسارة فادحة للتاريخ والثقافة السورية.
على الرغم من الدمار الهائل، لا يزال هناك أمل في إعادة إحياء حلب. بدأت بعض الجهود في ترميم أسواق المدينة القديمة، وعادت إليها الحركة التجارية. ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة إلى استثمارات كبيرة وجهود متواصلة لإعادة بناء المدينة بشكل كامل. تعتبر حماية الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات من العوامل الهامة في تعزيز الاقتصاد المحلي وتوفير فرص العمل.
يشير خبراء إلى أن عملية إعادة الإعمار في حلب ستكون طويلة ومعقدة، وستتطلب تعاونًا دوليًا وجهودًا محلية متواصلة. من المتوقع أن يتم التركيز في المرحلة القادمة على توفير الخدمات الأساسية، وإعادة بناء البنية التحتية، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة. كما يجب إيلاء اهتمام خاص لحماية التراث الثقافي للمدينة.
من المقرر أن تعقد الأمم المتحدة مؤتمرًا في شهر مارس 2026 لمناقشة خطط إعادة إعمار حلب والمدن السورية الأخرى المتضررة من الحرب. من المتوقع أن يشهد المؤتمر مشاركة واسعة من الدول المانحة والمنظمات الدولية والمجتمع المدني السوري. ستكون نتائج هذا المؤتمر حاسمة في تحديد مستقبل حلب.
في الختام، تواجه مدينة حلب تحديات هائلة في عملية إعادة الإعمار، ولكن هناك أيضًا أمل في مستقبل أفضل. يتطلب ذلك جهودًا متواصلة من جميع الأطراف المعنية، وتعاونًا دوليًا، ودعمًا من المجتمع المدني. يبقى الوضع في حلب غير مؤكد، ويتطلب مراقبة دقيقة وتطورات مستقبلية.













