تعتبر الديناميكا الحرارية، علم دراسة الطاقة وتحولاتها، حجر الزاوية في فهم العمليات الفيزيائية والكيميائية. ومع ذلك، فإن تطبيق مبادئها على الأنظمة الحية، مثل الخلايا، يطرح تحديات فريدة. أظهرت دراسة حديثة، نُشرت في 13 يناير 2026، أن قوانين الديناميكا الحرارية التقليدية قد لا تكون كافية لوصف سلوك الأنظمة البيولوجية المعقدة، مما يفتح الباب أمام تطوير فهم جديد للطاقة في الحياة.
أجرى باحثون في جامعة دريسدن للتكنولوجيا في ألمانيا، بقيادة ن. ناريندر وإليزابيث فيشر-فريدريش، تحليلاً دقيقاً لخلايا هيلا البشرية – وهي خلايا سرطانية مستخدمة على نطاق واسع في البحوث العلمية – بهدف تحديد الخصائص الفيزيائية التي تميز الأنظمة الحية عن الأنظمة غير الحية. ركزت الدراسة على تقييم التقلبات في أغشية الخلايا أثناء عمليات انقسام الخلية، باستخدام تقنيات متطورة مثل مجهر القوة الذرية.
ديناميكا الحياة: ما وراء التوازن الحراري
تعتمد الأنظمة الحية على الحفاظ على حالة من عدم التوازن، حيث تستهلك الطاقة باستمرار لأداء وظائفها. هذا التباعد عن التوازن الحراري هو ما يميز الحياة، ولكنه أيضاً يجعل من الصعب وصفها باستخدام الأدوات التقليدية للديناميكا الحرارية. فالخلايا، على سبيل المثال، تمتلك آليات تنظيم ذاتي معقدة، تُعرف بـ “نقاط الضبط”، تسمح لها بالاستجابة للتغيرات في البيئة والحفاظ على وظائفها الأساسية.
وفقاً للباحثين، فإن محاولة فهم سلوك الخلايا من خلال مفهوم “درجة الحرارة الفعالة” – وهو مفهوم يستخدم لوصف الأنظمة خارج التوازن – أثبتت أنها غير دقيقة. بدلاً من ذلك، اقترحوا أن خاصية “لا تماثل انعكاس الزمن” قد تكون أكثر ملاءمة لوصف الديناميكا الفريدة للأنظمة الحية.
لا تماثل انعكاس الزمن: مفتاح فهم العمليات البيولوجية
يشير “لا تماثل انعكاس الزمن” إلى مدى اختلاف العملية البيولوجية إذا تم عكس اتجاهها الزمني. بعبارة أخرى، هل يمكن للعملية أن تحدث بنفس الطريقة إذا تم تشغيلها إلى الوراء؟ توضح الدراسة أن العمليات البيولوجية غالباً ما تظهر درجة عالية من عدم التماثل، مما يعني أنها لا يمكن عكسها بسهولة في الزمن.
يعتقد الباحثون أن هذا عدم التماثل مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالغرض من العمليات البيولوجية، مثل البقاء والتكاثر. فالخلايا، على سبيل المثال، تنقسم وتتطور بطريقة محددة تهدف إلى تحقيق أهداف معينة، ولا يمكن عكس هذه العملية دون فقدان وظيفتها. الديناميكا الحرارية التقليدية لا تأخذ في الاعتبار هذه الجوانب الهادفة للأنظمة الحية.
يقول تشيس بروديرزز من الجامعة الحرة بأمستردام، وهو غير مشارك في الدراسة، “نعرف في علم الأحياء أن هناك الكثير من العمليات التي تعتمد حقاً على أن يكون النظام خارج التوازن، لكن من المهم فعلياً معرفة مدى بُعد النظام عن التوازن”. ويضيف أن هذه الدراسة تقدم أدوات جديدة قيمة لتقييم هذا البعد.
تعتبر هذه النتائج مهمة أيضاً في سياق أبحاث الطاقة الحيوية والتمثيل الغذائي. ففهم كيفية استهلاك الخلايا للطاقة وكيف تحافظ على حالة من عدم التوازن يمكن أن يساعد في تطوير علاجات جديدة للأمراض المتعلقة بالتمثيل الغذائي، مثل السرطان والسكري. الديناميكا الخلوية مجال بحثي متنامي.
يهدف الفريق البحثي الآن إلى اشتقاق ما يشبه قانوناً رابعاً للديناميكا الحرارية، ينطبق تحديداً على المادة الحية. سيركز هذا القانون الجديد على دور “لا تماثل انعكاس الزمن” في تنظيم العمليات البيولوجية. من المتوقع أن يستغرق هذا العمل عدة سنوات، ويتطلب تعاوناً بين الفيزيائيين والكيميائيين وعلماء الأحياء. الديناميكا الحرارية قد تشهد تطوراً كبيراً.
في المستقبل القريب، سيواصل الباحثون استكشاف هذه الظاهرة في أنواع مختلفة من الخلايا والكائنات الحية، بهدف تحديد المبادئ العامة التي تحكم الديناميكا الحيوية. سيراقب العلماء أيضاً التطورات في تقنيات التصوير والقياس، والتي قد تسمح لهم بالحصول على رؤى أعمق حول العمليات الديناميكية داخل الخلايا.













