تتميز الأفلام التي تدور أحداثها في المستقبل بجاذبية خاصة، إذ تلامس المخاوف الإنسانية لدى الجمهور مما قد يحدث غدا، ويدور بعضها في مساحات تتعلق بالخيال العلمي وما قد يتحول إليه عالم يعتمد بشكل كلي على التكنولوجيا. يتجاوز فيلم “الرحمة” (Mercy) للمخرج تيمور بيكمامبيتوف ذلك التصور، إذ يضع الإنسان داخل منظومة أخلاقية يحكمها العقل من دون العاطفة، وتصور العدالة المطلقة دون الرحمة، وذلك عبر دراما تدور في قاعات المحاكم ومؤسسات السلطة، ولكنها الآن تحت رقابة الذكاء الاصطناعي.
صدر فيلم “الرحمة” في دور السينما الأمريكية في 27 يناير 2026، ويستكشف مستقبلًا قريبًا حيث يسيطر الذكاء الاصطناعي على نظام العدالة الجنائية. الفيلم من بطولة كريس برات وريبيكا فيرغسون، ويقدم نظرة مثيرة للتفكير حول دور التكنولوجيا في تحديد مصير الإنسان، وتحديات تحقيق العدالة في عالم يعتمد بشكل متزايد على البيانات والخوارزميات. يطرح الفيلم أسئلة مهمة حول حدود الثقة في الآلات، وأهمية العاطفة والضمير في اتخاذ القرارات المصيرية.
مستقبل العدالة: نظرة على فيلم “الرحمة”
تدور أحداث “الرحمة” في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية، حيث يشرف نظام ذكاء اصطناعي متطور على نظام العدالة الجنائية. يركز الفيلم على قضية المحقق كريس رايفن (كريس برات)، الذي يجد نفسه متهمًا بقتل زوجته. تشير الأدلة الظرفية، بما في ذلك لقطات المراقبة والبيانات الجنائية، إليه بشكل مباشر كمشتبه به رئيسي. يتم إحالة القضية إلى نظام قضائي آلي ترأسه القاضية مادكس (ريبيكا فيرغسون)، وهي ذكاء اصطناعي مصمم لمعالجة الأدلة وتقييم الاحتمالات وإصدار الأحكام القضائية بكفاءة عالية.
يمنح النظام رايفن مهلة صارمة لا تزيد عن 90 دقيقة لإثبات براءته، وإلا فإنه سيواجه حكم الإعدام. في ظل ضيق الوقت، يحاول رايفن استعادة تفاصيل ساعاته الأخيرة ومراجعة ذاكرته، ويعتمد على مساعدة محدودة من زميلته في العمل جاكلين ديالو وروب نيلسون، الذي قام برعايته أثناء رحلة التعافي من الإدمان. تتكشف الحقائق في الوقت المناسب تمامًا، مما يضيف عنصرًا من التشويق والإثارة إلى الأحداث.
ثمن اليقين المطلق
لا يكمن الخطر في الفساد أو الانحراف، بل في السعي نحو الكمال، وهي الفكرة الدقيقة التي يحاول الفيلم مناقشتها. فالقاضية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي لا تتصرف بدوافع مثل الحقد أو الحب أو التعاطف، بل تعمل لتحقيق الهدف الذي صممت من أجله، وتتميز بالكفاءة والموضوعية ولا تتسامح مع الشك. وهنا يكمن الخطر أو الثمن البشري لذلك اليقين المطلق. يطرح الفيلم تساؤلات حول مدى فاعلية آليات تحقيق العدالة وجدوى العدالة نفسها إذا لم تصحبها الرحمة والتعاطف.
يكشف الفيلم أن الأنظمة المصممة للقضاء على التحيز قد تقضي على السياق نفسه، سواء كان الحزن أو الصدمة أو أزمات الذاكرة. يشير الفيلم بذكاء إلى المخاوف المعاصرة بشأن “حكم الخوارزميات”، حين تصبح القرارات التي تؤثر على حياة البشر مجرد نماذج للبيانات، عوضًا عن كونها تجارب معيشية. يتطور صراع رايفن ليصبح رمزًا لمخاوف أكثر عمومية، ففي سعي المجتمع نحو أنظمة مثالية، قد يتخلى عن عدم اليقين الذي يجعل العدالة إنسانية.
الأسلوب البصري والرسالة الاجتماعية
يتبنى فيلم “الرحمة” أسلوبًا بصريًا متحفظًا متسقًا مع موضوعه، ويركز التصوير السينمائي على المساحات المغلقة والواجهات الرقمية والشاشات المجزأة، مما يوحي بأن رايفن محاصر داخل نظام مادي ونفسي. يحافظ المونتاج على زخم الأحداث، وينتقل بسلاسة بين عرض الأدلة وبقايا الذكريات ومؤشرات الوقت، مما يشدد من الشعور بالسباق مع الزمن. يقدم كريس برات أداءً هادئًا ومنفعلاً، ويجسد شخصية الرجل الحائر الفاقد للثقة، بينما تقدم ريبيكا فيرغسون دور القاضية “مادوكس” بحياد يليق بنظام الذكاء الاصطناعي.
على الرغم من أن الفيلم لم يتمكن من تطوير شخصياته الثانوية بشكل كامل وتوسيع نطاق بحثه الموضوعي، إلا أن رسالته الأساسية تظل سليمة. يثير الفيلم تساؤلات حول ثمن اليقين المطلق في الآلة والتكنولوجيا مقابل القلب والضمير، ويدعي أن العدالة بلا رحمة ليست عدالة على الإطلاق، بل مجرد إدارة شكلية. الذكاء الاصطناعي، على الرغم من كفاءته، يفتقر إلى القدرة على فهم السياق الإنساني والتعاطف مع الظروف الفردية.
من المتوقع أن يثير فيلم “الرحمة” نقاشًا واسعًا حول مستقبل العدالة ودور التكنولوجيا في المجتمع. سيراقب خبراء القانون والأخلاق والذكاء الاصطناعي ردود الفعل على الفيلم، وكيف يمكن أن يؤثر على السياسات المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في نظام العدالة الجنائية. من المرجح أن يتم إجراء المزيد من الدراسات حول الآثار الأخلاقية والقانونية لحكم الخوارزميات، وما إذا كان من الممكن تحقيق توازن بين الكفاءة والموضوعية والرحمة في نظام العدالة المستقبلي. ستكون المتابعة ضرورية لتقييم تأثير الفيلم على الوعي العام بهذه القضايا الهامة.













