قد يضطر الشخص إلى العمل في مهنة لا يرتضيها، أو القيام بمهمة مملة ضمن سياق عمله، لكن حين يصل الأمر إلى الترفيه واختيار الفيلم الذي يمكن أن يشاهده، فهو يختار بحرية تامة ودون مجاملة. لذلك يبقى شباك التذاكر هو الناقد الأول، والباحث الاجتماعي الأهم، الذي يرصد اهتمامات المشاهد في زمن السلم والحرب وما بينهما من فترات ضبابية. وقد كشفت بيانات شباك التذاكر في السنوات الأخيرة عن تحول ملحوظ في أذواق الجمهور، مما يعكس تغيرات عميقة في المزاج الجمعي.
شباك التذاكر: مؤشر على التحولات النفسية والاجتماعية
يهتم الجمهور دائماً بالقصص التي تعكس حالاته الوجدانية والنفسية، سواء أدرك ذلك أم لا. وقد أظهرت بيانات شباك التذاكر العالمي في السنوات الخمس التي تلت جائحة كورونا تغيراً جذرياً في هذا السياق. فبعد سنوات من هيمنة أفلام الأبطال الخارقين والمعارك الكونية، بدأ الجمهور يميل نحو أفلام أكثر تركيزاً على الذات، وتستكشف موضوعات مثل القلق، وفقدان الهوية، والحنين إلى الماضي.
هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن التحديات الأكبر التي تواجه الإنسان ليست خارجية، بل داخلية. فبعد أن عايش العالم بأكمله تجربة العزلة والخوف بسبب الجائحة، أدرك الكثيرون أهمية مواجهة “الوحش الداخلي” قبل محاولة تغيير العالم الخارجي.
من أفلام الإنقاذ إلى القصص الشخصية
قبل الجائحة، كانت أفلام القمة مشغولة بإنقاذ “العالم” من تهديدات خارجية، سواء كانت فضائية، أو نووية، أو قوى شريرة. شهدت هذه الأفلام إقبالاً جماهيرياً كبيراً، وحققت أرقاماً قياسية في الإيرادات. على سبيل المثال، حقق فيلم “حرب النجوم: القوة تستيقظ” (2015) إيرادات عالمية تجاوزت 2.07 مليار دولار، بينما حصد “كابتن أميركا: الحرب الأهلية” (2016) ما يقرب من 1.15 مليار دولار.
ومع ذلك، وبعد الجائحة، بدأ هذا الاتجاه في التراجع. ففي حين استمرت الأفلام الضخمة في تحقيق إيرادات جيدة، إلا أن الأفلام التي حققت أعلى الإيرادات كانت تلك التي تتناول قضايا شخصية ومشاعر داخلية. وهذا ما يتجلى في نجاح فيلم “سبايدرمان: لا عودة إلى الوطن” (2021) الذي حقق حوالي 1.92 مليار دولار، مستفيداً من الحنين إلى الماضي وعودة الشخصيات المحبوبة.
“باربي” و “إنسايد آوت 2”: تأكيد للاتجاه الجديد
أكد فيلم “باربي” (2023) هذا التحول، حيث حقق أكثر من 1.44 مليار دولار عالمياً، ليصبح أنجح فيلم في العام. وعلى الرغم من أن الفيلم يتميز بأسلوب بصري مبهر وقصة مسلية، إلا أنه يتناول أيضاً موضوعات عميقة مثل الهوية، والنوع الاجتماعي، ومعنى الحياة.
ويواصل فيلم “إنسايد آوت 2” (2024) هذا الاتجاه، محققاً إيرادات تتجاوز 1.6 مليار دولار. يركز الفيلم على استكشاف المشاعر الداخلية المعقدة، مثل القلق والملل، ويقدم رؤية واقعية ومؤثرة للتحديات النفسية التي يواجهها المراهقون.
تأثير الجائحة على صناعة السينما
لم يكن التحول في أذواق الجمهور مجرد صدفة، بل كان نتيجة مباشرة لتأثير جائحة كورونا على حياة الناس. فقد فرضت الجائحة على الملايين من الأشخاص البقاء في منازلهم، وعزلهم عن العالم الخارجي. وهذا أدى إلى زيادة الوعي بأهمية الصحة النفسية، وإلى رغبة في استكشاف المشاعر الداخلية والتحديات الشخصية.
بالإضافة إلى ذلك، ساهمت الجائحة في تغيير نظرة الناس إلى العالم. فقد أدرك الكثيرون أن التهديدات الأكبر التي تواجههم ليست خارجية، بل داخلية، مثل القلق والخوف من المستقبل. وهذا أدى إلى زيادة الاهتمام بالأفلام التي تتناول هذه القضايا، وتقدم رؤى جديدة حول كيفية التعامل معها.
تتزايد الأدلة على أن صناع الأفلام أنفسهم يدركون هذا التحول. ففي مقابلة مع صحيفة “الغارديان”، ربطت المخرجة غريتا غروينغ الروح الفوضوية والقلقة في فيلمها “باربي” بتجربة العزلة الجماعية التي فرضتها الجائحة. وأوضحت أن الشعور بالعيش داخل “صناديق منفصلة” أعاد تعريف ما يعنيه البحث عن الذات والمعنى.
يبدو أن الجمهور يبحث الآن عن أفلام تعكس تجربته الخاصة، وتقدم له رؤى جديدة حول كيفية التعامل مع التحديات التي يواجهها. وهذا يعني أن صناعة السينما ستشهد المزيد من التغييرات في السنوات القادمة، وأن الأفلام التي ستنجح في شباك التذاكر هي تلك التي ستكون قادرة على التواصل مع الجمهور على مستوى أعمق وأكثر شخصية.
من المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه في المستقبل القريب، مع استمرار الجمهور في البحث عن أفلام تعكس مشاعره وتجاربه. ومع ذلك، لا يمكن استبعاد عودة أفلام الأبطال الخارقين والمعارك الكونية، خاصة إذا تمكن صناع الأفلام من تقديمها بطرق جديدة ومبتكرة. ما يجب مراقبته هو قدرة صناعة السينما على التكيف مع التغيرات في أذواق الجمهور، وتقديم أفلام تلبي احتياجاته وتطلعاته المتغيرة.













