لا تبدأ الحكاية في مسيرة بعض الفنانين دائما من مرسم أو معهد، بل قد تنطلق أحيانا من لحظة فضول عابرة. هكذا كانت بداية الفنانة التركية مليحة قنطارجي مع فن التذهيب، حين قادها خبر صغير قرأته في صحيفة خلال سنوات دراستها الجامعية إلى عالم سيغدو لاحقا محور حياتها الفنية والتربوية. قنطارجي، البالغة من العمر 51 عاما، كرّست نفسها للحفاظ على هذا الفن الإسلامي ونقله إلى الأجيال الجديدة.
بدأت رحلة قنطارجي في عالم الزخرفة الإسلامية في عام 1995، خلال دراستها في قسم تعليم الحرف اليدوية بجامعة غازي بأنقرة. اكتشفت شغفها بهذا الفن من خلال زيارة لمرسم “توركواز للفنون الجميلة”، حيث تلقت دروسًا أولية على يد الفنانة محسّنة أقباش. أدركت قنطارجي أن إتقان التذهيب يتطلب مسارًا طويلاً من التعلم والممارسة المستمرة، وهو ما دفعها إلى مواصلة تطوير مهاراتها بشكل ذاتي.
عالم جديد من الإبداع
تعود جذور هذا الشغف إلى سنوات دراسة قنطارجي الجامعية، حيث كانت تبحث عن مساحة تعبّر فيها عن حاجتها الداخلية للفن. على الرغم من دراستها للحرف اليدوية في المرحلة الثانوية، إلا أنها لم تجد فيها الإشباع الكامل لطموحاتها الفنية. كانت بداية التذهيب بمثابة “فتح باب الفن” بالنسبة لها، لكنها سرعان ما أدركت أن هذا الفن يتطلب أكثر من مجرد عامين من الدراسة.
بعد تخرجها عام 1999، بدأت قنطارجي مسيرتها المهنية كمعلمة للحرف اليدوية في ولاية سيواس. على الرغم من التحديات التي واجهتها بسبب بعد المسافة عن أستاذتها ومحيطها الفني الأول، إلا أنها لم تتوقف عن ممارسة فن التذهيب وتطويره. اعتمدت على البحث والملاحظة والتجريب لاكتساب المزيد من الخبرة والمعرفة.
مواجهة التحديات وصقل المهارات
خلال فترة وجودها في سيواس، واجهت قنطارجي صعوبات في الحصول على الإمكانات والمصادر اللازمة لمواصلة تعلمها. لذلك، قررت أن تعتمد على نفسها في تطوير مهاراتها، من خلال القراءة المتعمقة والممارسة المستمرة. تصف تلك المرحلة بأنها كانت مليئة بالمعاناة، لكنها أثمرت في النهاية عن نضج فني لافت.
مع مرور الوقت، تمكنت قنطارجي من إثبات موهبتها وقدراتها في مجال التذهيب. حصلت على بطاقة “حامل التراث الثقافي غير المادي” من وزارة الثقافة والسياحة التركية، ودخلت أعمالها ضمن مجموعات خاصة ومتاحف، ونالت جوائز فنية مرموقة. أصبحت قنطارجي فنانة معروفة ومحترمة في تركيا وخارجها.
التذهيب: رسالة للحفاظ على التراث
منذ عام 2011، تدرّس قنطارجي فن التذهيب في مركز عثمان غازي للتعليم الشعبي بولاية بورصة. تهدف من خلال التدريس إلى نقل هذا الفن إلى الأجيال القادمة بصورة صحيحة، قائمة على احترام أصوله وجذوره التاريخية. تؤمن قنطارجي بأن التذهيب ليس مجرد حرفة يدوية، بل هو تعبير عن الهوية الثقافية والتراث الفني للمجتمع.
تؤكد قنطارجي أن الزخرفة في التذهيب ترتبط ارتباطًا وثيقًا بفن الخط، وأن المذهّب يجب أن يقرأ هوية النص ويصمّم زخرفة خاصة بكل عمل. تستلهم قنطارجي الكثير من أعمالها من فنون عصر النهضة التيمورية، وتسعى إلى تقديم تصاميم أصلية ومبتكرة.
شاركت قنطارجي في تصميم زخارف أحد المساجد في بورصة، وهي تجربة تعتبرها قريبة إلى قلبها. تأمل أن تساهم في الحفاظ على جمالية المساجد وتعزيز قيمتها الفنية والثقافية. تعتبر قنطارجي أن التذهيب يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في إحياء التراث الفني الإسلامي.
تختتم قنطارجي حديثها بالتأكيد على أن طموحها الأساسي هو الاستمرار في تعليم طلابها ونقل شغفها بهذا الفن إليهم. تأمل أن ينقل طلابها هذا الفن إلى من بعدهم، وأن يظل التذهيب حيًا كجزء فاعل من الثقافة المعاصرة. تعتبر قنطارجي أن الحفاظ على التراث الفني هو مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود الفنانين والمثقفين والمؤسسات التعليمية.
من المتوقع أن تستمر قنطارجي في تدريس فن التذهيب وتطويره، وأن تساهم في إثراء المشهد الفني والثقافي في تركيا. من المرجح أن تشهد أعمالها المزيد من الانتشار والتقدير على المستوى الدولي. يبقى التحدي الأكبر هو جذب المزيد من الشباب إلى هذا الفن العريق، وضمان استمراريته للأجيال القادمة.













