أظهرت دراسة حديثة نشرت في مجلة “نيتشر” في 23 يناير 2026، أن شبكية عين الطيور تعمل بكفاءة عالية على الرغم من نقص الأكسجين المزمن، وهو ما يمثل تحديًا للفهم التقليدي لعمل الخلايا العصبية. هذا الاكتشاف المتعلق بـ شبكية العين قد يفتح آفاقًا جديدة في فهم تلف الأنسجة الناتج عن نقص الأكسجين لدى البشر، مثل السكتات الدماغية.
أجريت الدراسة بواسطة فريق بحثي من جامعة آرهوس الدنماركية، وكشفت أن الطيور تعتمد على آلية فريدة لإنتاج الطاقة في شبكية العين، مختلفة تمامًا عما كان يُعتقد سابقًا. تعتمد هذه الآلية على تكسير السكر بدون استخدام الأكسجين، بينما تلعب بنية “المشط العيني” دورًا حيويًا في نقل السكر والتخلص من الفضلات الأيضية، وليس في توفير الأكسجين كما كان مفترضًا.
شبكية العين وتحدي نقص الأكسجين
لطالما كان لغزًا كيف تحافظ شبكية عين الطيور على وظائفها الحيوية في ظل غياب الأوعية الدموية التي تنقل الأكسجين. تعتبر شبكية العين من أكثر الأنسجة استهلاكًا للطاقة في الجسم، مما يجعل هذا التكيف البيولوجي مثيرًا للدهشة. أشار الباحث الرئيسي في الدراسة، كريستيان دامسغارد، إلى أن هذا الاكتشاف يغير فهمًا علميًا استمر لعدة قرون.
وفقًا للدراسة، فإن الخلايا العصبية في شبكية الطيور تعوض عن نقص الأكسجين من خلال الاعتماد بشكل كبير على عملية التحلل السكري اللاهوائي. هذه العملية، على الرغم من أنها أقل كفاءة من التحلل السكري الهوائي (الذي يستخدم الأكسجين)، تسمح للخلايا بإنتاج الطاقة اللازمة للرؤية.
دور المشط العيني المفاجئ
لطالما اعتبر العلماء أن المشط العيني، وهو هيكل غني بالأوعية الدموية داخل العين، هو المسؤول عن توفير الأكسجين لشبكية الطيور. لكن القياسات الدقيقة التي أجراها فريق دامسغارد أظهرت أن المشط العيني لا يضخ الأكسجين إلى الشبكية. بدلاً من ذلك، يعمل كمحطة لتوصيل السكر الضروري لعملية التحلل السكري اللاهوائي، ويتخلص من الفضلات الناتجة عنها.
هذا الاكتشاف يوضح أن المشط العيني يلعب دورًا تنظيميًا حيويًا في الحفاظ على بيئة خلوية مستقرة في شبكية العين، مما يسمح لها بالعمل بكفاءة حتى في ظل نقص الأكسجين.
الآثار المترتبة على صحة الإنسان
بالإضافة إلى أهميته في فهم بيولوجيا الطيور، فإن هذا البحث له آثار كبيرة على فهمنا لصحة الإنسان. يشبه وضع شبكية عين الطيور ما يحدث في الأنسجة البشرية التي تعاني من نقص الأكسجين، مثل تلك المتضررة أثناء السكتات الدماغية أو الإصابات الدماغية الرضحية.
أوضح دامسغارد أن المشكلة في الأنسجة البشرية ليست فقط نقص الأكسجين، بل أيضًا تراكم الفضلات الأيضية التي تعيق وظائف الخلايا. فهم كيفية تعامل الطيور مع هذه الفضلات يمكن أن يوفر رؤى جديدة حول تطوير علاجات للأمراض العصبية التي تتميز بنقص الأكسجين.
تشير النتائج إلى أن استهداف طرق إزالة الفضلات الأيضية في الأنسجة المتضررة قد يكون استراتيجية علاجية واعدة، بالإضافة إلى الجهود المبذولة لزيادة توصيل الأكسجين. هذا المجال من البحث، المعروف باسم التمثيل الغذائي، يكتسب زخمًا متزايدًا في السنوات الأخيرة.
تحديات مستقبلية
على الرغم من هذه النتائج المثيرة، لا يزال هناك الكثير لنتعلمه حول الآليات الدقيقة التي تسمح لشبكية عين الطيور بالعمل في ظل نقص الأكسجين. تتضمن الخطوات التالية إجراء المزيد من الدراسات لتحديد الجينات والبروتينات الرئيسية المشاركة في هذه العملية، واستكشاف إمكانية تطبيق هذه المعرفة على تطوير علاجات جديدة للأمراض العصبية. من المتوقع أن يتم نشر المزيد من التفاصيل حول هذه الأبحاث في غضون العام المقبل.
يؤكد الباحثون على أهمية مواصلة البحث في مجال الخلايا العصبية وفهم كيفية تكيفها مع الظروف القاسية، وذلك بهدف إيجاد حلول مبتكرة للتحديات الصحية التي تواجه البشر.













