تصعد القوات الإسرائيلية من وتيرة عملياتها العسكرية في قطاع غزة، بالتزامن مع إعلان الولايات المتحدة عن بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. هذا التصعيد يثير تساؤلات حول مستقبل الهدنة وجهود إعادة الإعمار، ويُظهر تباينًا حادًا بين التفاؤل السياسي الحذر والواقع الميداني المتصاعد. وتتركز المخاوف حول تأثير هذه العمليات على استقرار الاتفاق واحتمالات عودة الصراع، خاصة مع استمرار الحديث عن شروط مسبقة لتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق.
وأسفر القصف الإسرائيلي عن استشهاد 11 فلسطينيًا، بينهم صحفيون وأطفال، وفقًا لمصادر طبية في غزة. هذا الحادث أثار ردود فعل دولية، مع مطالبات بالتحقيق في ملابساته، وتأكيد على ضرورة حماية المدنيين. ويرى مراقبون أن هذا التصعيد يحمل رسائل متعددة الأطراف تتعلق بالحرب، ونزع السلاح، وترتيبات ما بعد الاتفاق، وربما محاولة لفرض حقائق جديدة على الأرض قبل استئناف المفاوضات.
تصعيد إسرائيلي وتداعياته على اتفاق غزة
يرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية مهند مصطفى أن إسرائيل تسعى من خلال هذا التصعيد إلى تطبيع حالة الاشتباك العسكري في غزة، وإعطاء انطباع بأن القصف والقتل أصبحا أمرًا روتينيًا لا يستدعي مساءلة سياسية أو تدخلًا دوليًا. وأضاف أن بيان الجيش الإسرائيلي الذي أشار إلى “شك” في استخدام طائرة مسيرة، ما هو إلا ذريعة لتبرير استهداف المدنيين والصحفيين، في إطار استسهال متعمد لاستخدام القوة.
وبحسب مصطفى، فإن إسرائيل تهدف إلى إبقاء خيار العمليات العسكرية الواسعة مفتوحًا في المستقبل، والعمل على إعداد الوسطاء، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، للتعامل مع هذا الواقع كأمر مفروض. ويشير إلى أن هذا يتضمن محاولة لإعادة تعريف مفهوم “وقف إطلاق النار” بحيث يتضمن بنودًا تسمح بإسرائيل بمواصلة عملياتها العسكرية تحت مسميات مختلفة.
من جهته، وصف الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا التصعيد الإسرائيلي بأنه “خطير للغاية”، مشيرًا إلى توسع نطاق الانتهاكات في مناطق مختلفة من قطاع غزة، بما في ذلك الشمال وخان يونس جنوبًا. وأكد أن إسرائيل تتجه نحو إلغاء ما يسمى بـ “المنطقة الصفراء”، وتدمير المناطق القريبة من “الخط الأصفر” بشكل كامل، بهدف إزالة أي وجود للبنية التحتية أو المباني المتبقية.
ويرى القرا أن هذا التدمير المنهجي ليس عشوائيًا، بل هو جزء من خطة أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا في غزة، سواء من خلال إقامة مناطق نزوح جديدة أو لترسيخ وقائع ميدانية تجعل من أي وجود لقوات استقرار دولية أمرًا صعبًا وغير فعال. ويضيف أن هذا يهدف إلى إضعاف قدرة الفلسطينيين على المقاومة وإعادة البناء.
الأبعاد السياسية والأمنية للتصعيد
في سياق متصل، لفت مستشار الأمن القومي الأميركي السابق مارك فايفل إلى أن إسرائيل تركز بشكل حصري على عسكرة حركة حماس، متجاهلةً عناصر أساسية أخرى لا تقل أهمية، مثل الإغاثة الإنسانية، وتوفير الأمن للمدنيين، وتعزيز الحكم المحلي، وتحقيق الأمن المستدام. وحذر من أن تجاهل هذه الملفات سيؤدي إلى استمرار الهجمات والمعاناة، بغض النظر عن عدد الأطر السياسية التي يتم الاتفاق عليها.
وأضاف فايفل أن الحل الدائم يتطلب معالجة الأسباب الجذرية للصراع، بما في ذلك الوضع الاقتصادي والاجتماعي في غزة، وتوفير فرص حقيقية للفلسطينيين لتحسين حياتهم. ويؤكد أن التركيز على الجانب الأمني وحده لن يؤدي إلى تحقيق السلام والاستقرار.
وبرزت أيضًا دعوة إسرائيل للانضمام إلى “مجلس السلام”، وهو إطار دولي يهدف إلى تعزيز عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. لكن مهند مصطفى اعتبر أن هذه الدعوة لا تنبع من رغبة حقيقية في حل أزمة غزة، بل من سعي إسرائيل لكسب ود الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفتح قناة اتصال مباشرة معه.
ويشير مصطفى إلى أن الأجندة الإسرائيلية الحقيقية تتمثل في إفشال المرحلة الثانية من الاتفاق بصيغتها الحالية، ومحاولة إقناع ترامب بفرض مهلة زمنية محددة لنزع سلاح حماس، مع القفز فوق المؤسسات الدولية التقليدية، مثل الأمم المتحدة، وتقويض شرعيتها. ويضيف أن إسرائيل تسعى إلى جعل نزع السلاح الشرط الوحيد لاستئناف المفاوضات وتقديم المساعدات.
في الختام، يبقى مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار في غزة معلقًا على تطورات الأيام القادمة. من المتوقع أن تشهد المنطقة مزيدًا من التوتر والترقب، خاصة مع استمرار الشروط الإسرائيلية المسبقة لتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق. ما يجب مراقبته عن كثب هو ردود فعل الفصائل الفلسطينية، والموقف الدولي، وخاصةً دور الولايات المتحدة، في محاولة لتهدئة الأوضاع ودفع عملية السلام إلى الأمام. كما أن مصير المساعدات الإنسانية التي تحتاجها غزة بشدة يظل غير واضح، مما يزيد من المخاوف بشأن الوضع الإنساني المتدهور.













