يندرج الصرع ضمن الأمراض العصبية المزمنة التي تصيب شريحة كبيرة من السكان. وهو اضطراب يتميز بنوبات متكررة ناتجة عن خلل في النشاط الكهربائي للدماغ. تشمل أعراض الصرع تشنجات، وفقدان للوعي، وتغيرات في الإحساس أو السلوك. فهم طبيعة هذا المرض وطرق التعامل معه أمر بالغ الأهمية لتقديم الدعم المناسب للمصابين.
تختلف أعراض الصرع بشكل كبير من شخص لآخر، وتعتمد على نوع النوبة وموقع الخلل الكهربائي في الدماغ. تشير الإحصائيات إلى أن ما يقرب من 1% من سكان العالم يعانون من الصرع، مما يجعله من الأمراض العصبية الشائعة. لا يقتصر تأثير هذا المرض على الجانب الصحي فحسب، بل يمتد ليشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية لحياة المصابين وأسرهم.
أسباب الصرع المحتملة
غالباً ما تكون أسباب الصرع غير معروفة، ولكن في بعض الحالات يمكن ربطها بعوامل محددة. وفقاً للدكتور أوفه ماير، رئيس الجمعية المهنية لأطباء الأعصاب الألمان، يمكن أن تحدث النوبات نتيجة لإصابات في الرأس، أو السكتات الدماغية، أو أورام المخ، أو التهابات الدماغ، أو حتى العيوب الخلقية في بنية الدماغ.
أضاف الدكتور ماير أن الطفرات الجينية تلعب دوراً في نسبة صغيرة من حالات الصرع. تشير الأبحاث الحديثة إلى وجود ارتباط بين بعض الحالات العصبية الأخرى، مثل متلازمة توريت، وزيادة خطر الإصابة بالصرع. متلازمة توريت تتميز بحركات وتصرفات لا إرادية، ويمكن أن تترافق مع صعوبات في التركيز وزيادة القلق، مما قد يزيد من احتمالية حدوث نوبات.
بينما لا يمكن منع جميع أنواع الصرع، فإن تحديد عوامل الخطر واتخاذ التدابير الوقائية المناسبة يمكن أن يقلل من احتمالية حدوث النوبات. يشمل ذلك تجنب إصابات الرأس، والحفاظ على نمط حياة صحي، والتعامل مع العوامل المسببة للتوتر.
التعامل مع نوبات الصرع
عادةً ما تكون نوبات الصرع قصيرة وغير ضارة، وتنتهي من تلقاء نفسها خلال دقيقة أو دقيقتين. ومع ذلك، يمكن أن تحدث إصابات إذا سقط الشخص أثناء النوبة. من المهم تأمين المنطقة المحيطة بالشخص المصاب، وإزالة أي أجسام حادة أو خطرة.
تنصح جمعية الصرع الألمانية بعدم تقييد حركة الشخص المصاب أثناء النوبة، وتجنب وضع أي شيء في فمه، لأن ذلك قد يؤدي إلى الاختناق. بدلاً من ذلك، يجب وضع وسادة ناعمة أو سترة تحت رأسه لحمايته من الإصابات. من الضروري أيضاً مراقبة مدة النوبة، وإذا استمرت لأكثر من خمس دقائق، يجب الاتصال بالإسعاف على الفور.
هناك حالات نادرة ولكنها خطيرة تعرف باسم “الموت الصرعي المفاجئ” (Sudden Unexpected Death in Epilepsy – SUDEP). تحدث هذه الوفيات بشكل غير متوقع لدى مرضى الصرع، وغالباً ما ترتبط بنوبات ليلية غير مضبوطة. لا يزال السبب الدقيق لـ SUDEP غير معروف، ولكن الأبحاث جارية لفهم العوامل التي تساهم في حدوثه.
التقدم في أنظمة الكشف عن نوبات الصرع
تتوفر حالياً بعض الأنظمة التكنولوجية للكشف عن نوبات الصرع، مثل الأجهزة القابلة للارتداء التي تراقب معدل ضربات القلب والحركات، وكذلك أجهزة الاستشعار التي توضع في السرير. تهدف هذه الأنظمة إلى تنبيه مقدمي الرعاية أو الطاقم الطبي عند حدوث نوبة، مما يسمح بتقديم المساعدة اللازمة في الوقت المناسب.
على الرغم من أن هذه الأنظمة واعدة، إلا أنها لا تزال قيد التطوير، ولا يمكنها الكشف عن جميع أنواع النوبات بدقة. يجب على المرضى وأسرهم مناقشة الفوائد والمخاطر المحتملة لاستخدام هذه الأجهزة مع أطبائهم.
تتجه الأبحاث الحالية نحو تطوير أنظمة أكثر ذكاءً يمكنها التنبؤ بالنوبات قبل حدوثها، مما قد يسمح للمرضى باتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب الإصابات. يشمل ذلك استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة لتحديد الأنماط التي تشير إلى احتمالية حدوث نوبة.
في الختام، الصرع مرض معقد يتطلب تشخيصاً دقيقاً وعلاجاً فعالاً. تستمر الأبحاث في إحراز تقدم في فهم أسباب هذا المرض وتطوير طرق جديدة للوقاية منه وعلاجه. من المتوقع خلال العام القادم، نشر نتائج دراسات جديدة حول فعالية تقنيات التحفيز الدماغي في تقليل تكرار النوبات. ينبغي على المرضى وأسرهم البقاء على اطلاع بأحدث التطورات في هذا المجال، والتعاون بشكل وثيق مع أطبائهم لضمان الحصول على أفضل رعاية ممكنة.













