في تحليل معمق للمشهد الجيوسياسي المتأزم، حذرت صحيفة نيويورك تايمز من تدهور ملحوظ في النظام القانوني الدولي، مشيرةً إلى أن القيود على استخدام القوة العسكرية بين الدول تضعف بوتيرة متسارعة. يأتي هذا التحذير في ظل اتهامات متبادلة وتوترات متزايدة تهدد الاستقرار العالمي، مما يستدعي إعادة تقييم شاملة لقواعد الاشتباك الدولية.
وانتقدت الباحثة أونا هاثاواي، أستاذة القانون والعلوم السياسية بجامعة ييل ورئيسة الجمعية الأميركية للقانون الدولي، ما أسمته بالسلوكيات المتزايدة التي تتجاهل مبادئ السيادة وعدم التدخل، معتبرةً أن أي عمل عسكري أحادي يمثل خرقًا واضحًا للقانون الدولي. وتحدثت عن تداعيات هذا التراجع على مستقبل العلاقات بين الدول.
تآكل النظام القانوني الدولي: هل نشهد حقبة جديدة؟
يشير تزايد الانتهاكات للقانون الدولي إلى تحول مقلق في طبيعة العلاقات بين الدول. فبعد عقود من الاعتماد على المؤسسات والاتفاقيات الدولية لحل النزاعات، نرى عودة إلى منطق القوة والنفوذ، حيث تتخذ بعض الدول من مصالحها الضيقة مبررًا لتجاوز القواعد المتفق عليها.
وقد أثار اتهام مندوب فنزويلا لدى الأمم المتحدة للولايات المتحدة بانتهاك سيادة بلاده جدلاً واسعاً، خاصةً وأن هذه الاتهامات ليست جديدة، بل تتكرر في سياقات مختلفة حول العالم. وبينما تبرر واشنطن تدخلاتها بحماية الأمن والاستقرار الإقليميين، يرى الكثيرون في ذلك محاولة لفرض هيمنتها وهيمنة قيمها على دول أخرى.
الجذور التاريخية للنظام القانوني الدولي
يعود تأسيس النظام القانوني الدولي الحالي إلى ميثاق الأمم المتحدة عام 1945، والذي هدف إلى تجريم الحرب كأداة لحل النزاعات الدولية، وتعزيز التعاون والسلام بين الدول. كما وضع الميثاق قيودًا صارمة على استخدام القوة، واشترط الحصول على موافقة مجلس الأمن لأي تدخل عسكري. هذا النظام، على الرغم من عيوبه، ساهم في خفض كبير في أعداد القتلى الناتجين عن النزاعات الدولية على مدى عقود.
ومع ذلك، فإن هذا النظام لم يكن بمنأى عن التحديات والانتقادات، خاصةً فيما يتعلق بمعايير تطبيق العدالة وتوزيع السلطات بين الدول الأعضاء. ولكن، ظل الميثاق الإطار المرجعي الذي يحكم سلوك الدول في الساحة الدولية.
التطورات الأخيرة وتداعياتها
يؤكد المراقبون أن النظام القانوني الدولي بدأ في التراجع التدريجي منذ بداية الألفية الجديدة، مع تصاعد ظاهرة الإرهاب وتوسع مفهوم “الدفاع عن النفس”. وقد مارست الولايات المتحدة، على وجه الخصوص، ضغوطًا كبيرة لتبرير تدخلاتها العسكرية في دول مختلفة، تحت مبررات أمنية أو إنسانية. القانون الدولي يظل محور النقاش في هذه التدخلات.
بالإضافة إلى ذلك، ساهمت النزاعات الإقليمية في الشرق الأوسط وأوكرانيا وأفريقيا في إضعاف الثقة في المؤسسات الدولية، وزيادة الاتجاه نحو الحلول العسكرية بدلاً من الحلول الدبلوماسية. الصراعات الدولية تتصاعد في أعقاب هذا التدهور.
وتشير هاثاواي إلى أن هذا التراجع يهدد بتقويض الأساس الذي تقوم عليه العلاقات الدولية، وتحويل الساحة الدولية إلى مكان يحكمه قانون الغاب. مع عودة القوة كأداة رئيسية لتحديد الحق، يخشى البعض من أن نشهد حقبة جديدة من الحروب والصراعات على نطاق واسع.
تحديات وفرص أمام النظام العالمي
على الرغم من التحديات الكبيرة التي تواجه النظام القانوني الدولي، يرى البعض أن هناك فرصًا لإنقاذه وتعزيزه. وتتمثل هذه الفرص في ضرورة تفعيل دور المؤسسات الدولية، وتعزيز التعاون بين الدول، والالتزام بمبادئ القانون الدولي في حل النزاعات. التعاون الدولي هو المفتاح لتجاوز هذه المرحلة.
لكن تحقيق ذلك يتطلب إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف المعنية، وعلى رأسها الدول الكبرى. كما يتطلب إعادة النظر في بعض القواعد والمفاهيم القانونية التي أصبحت غير قادرة على مواكبة التطورات المتسارعة في الساحة الدولية.
وفيما يتعلق بالعملية العسكرية في فنزويلا، يرى الخبراء أن التداعيات القانونية والسياسية لهذا التدخل ستكون كبيرة، وربما تؤدي إلى تفاقم الأزمة في المنطقة. الأهم من ذلك، ستشكل سابقة خطيرة للتدخلات العسكرية المستقبلية.
من المتوقع أن يناقش مجلس الأمن الدولي القضية مرة أخرى في الأيام القادمة، ويعلن عن موقفه الرسمي بشأنها. يبقى السؤال المطروح، هل ستتمكن الأمم المتحدة من التصدي لهذا التهديد المتزايد للنظام القانوني الدولي، أم ستستسلم لواقع القوة؟













