لطالما كان الألومنيوم “ملك الخفة” في عالم المعادن، فهو رخيص نسبيا، وسهل التشكيل، ومناسب لعدد لا يحصى من التطبيقات. لكن عندما ترتفع الحرارة أو تصبح القوة شرطا لا يقبل التفاوض، يتراجع الألومنيوم عادة أمام مواد أثقل وأغلى مثل التيتانيوم أو المواد المركبة. الآن، يعلن مهندسو معهد ماساتشوستس في الولايات المتحدة الأميركية عن سبائك الألومنيوم جديدة قابلة للطباعة ثلاثية الأبعاد، يقولون إنها حققت في الاختبارات قوة تعادل خمسة أضعاف الألومنيوم المصنوع بالطرق التقليدية.
هذا الاكتشاف، الذي تم الإعلان عنه في 31 ديسمبر 2025، يفتح آفاقًا جديدة لاستخدام الألومنيوم في الصناعات التي تتطلب قوة عالية ومقاومة للحرارة، مثل صناعة الطيران والسيارات. تعتبر هذه السبيكة الجديدة خطوة مهمة نحو تطوير مواد أكثر كفاءة وفعالية من حيث التكلفة.
دور تعلم الآلة في تطوير سبائك الألومنيوم
القصة ليست مجرد “خلطة عناصر” جديدة، بل وصفة تجمع بين طريقتين، وهما تعلم الآلة لاختيار التركيب الكيميائي بسرعة، والطباعة المعدنية بالليزر لصنع بنية داخلية دقيقة جدا لا تسمح بضعف الألومنيوم المعتاد بالظهور. وبحسب الدراسة، التي نشرها الباحثون في دورية “أدفانسد ماتيريالز”، فإن نموذج تعلم الآلة اختصر طريقا كان سيتطلب تقليديا فحص أكثر من مليون احتمال تركيبي، ليصبح البحث محصورا في 40 تركيبة واعدة فقط قبل الوصول إلى التركيبة المثلى.
الفكرة الجوهرية أن خواص السبائك لا تعتمد فقط على نوع العناصر المضافة، بل على “الهندسة الميكروسكوبية” داخل المعدن، وخاصة توزيع مكونات صغيرة جدا تسمى “الرواسب”. كلما كانت هذه الرواسب أصغر وأكثر تقاربا، زادت صلابة المعدن. غير أن الوصول إلى هذه البنية يتطلب شرطا صعبا، وهو تبريد سريع جدا يمنع الرواسب من النمو والتضخم.
لليزر دور حاسم في عملية التصنيع
هنا تدخل الطباعة المعدنية بتقنية “الانصهار بالليزر على سريد مسحوق”، حيث يمر الليزر على طبقة رقيقة من مسحوق المعدن، ليذيبها وفق الشكل المطلوب، ثم تتجمد بسرعة قبل إضافة الطبقة التالية. هذا التجميد الخاطف يخلق ما يشبه “نسيجا داخليا” شديد الدقة، ويثبت الرواسب النانوية في أماكنها قبل أن تكبر. كان هذا المعدل العالي للتبريد هو الباب الذي فتحته الطباعة ثلاثية الأبعاد، ليس فقط لصنع شكل معقد، بل لصنع معدن بخصائص جديدة.
وبحسب الدراسة، فإن العينات المطبوعة كانت تساوي خمسة أضعاف في صلابتها مقارنة بالنسخة المصبوبة من السبيكة نفسها، وأقوى بنحو 50% من سبائك صممت بالاعتماد على محاكاة تقليدية من دون تعلم الآلة، كما ظلت البنية الدقيقة مستقرة حتى 400 درجة مئوية. هذه النتائج تدعو إلى التفاؤل بإمكانية تحقيق قفزات نوعية في مجال المواد المعدنية.
تطبيقات واعدة في مختلف الصناعات
هذا الرقم مهم صناعيا، لأن كثيرين في الصناعة ينظرون إلى التيتانيوم بوصفه الحل عندما تصبح الحرارة والقوة شرطين أساسيين، رغم أنه أثقل وأغلى. خذ مثلا شفرات مراوح محركات الطائرات التي تصنع غالبا من التيتانيوم، والذي يمكن أن يكون أغلى حتى 10 مرات من الألومنيوم. ولو أمكن استبدال جزء من هذه المكونات بسبائك الألومنيوم جديدة، فقد ينعكس ذلك على استهلاك الطاقة في قطاع النقل نفسه.
ولا يقتصر الطموح على الطيران، فقوة المادة مع قابلية الطباعة قد تفتح استخدامها في مضخات تفريغ متقدمة، وسيارات عالية الأداء، وأجهزة تبريد لمراكز البيانات، وهي مجالات تستفيد من خفة الوزن ومن القدرة على طباعة أشكال معقدة تقلل الفاقد وتسمح بتصاميم لم تكن ممكنة بالتصنيع التقليدي. يشير الخبراء إلى أن تطوير هذه المواد المتقدمة يمكن أن يساهم بشكل كبير في تحقيق الاستدامة وتقليل البصمة الكربونية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عملية الطباعة ثلاثية الأبعاد تسمح بإنتاج مكونات مخصصة تتناسب مع احتياجات محددة، مما يفتح الباب أمام الابتكار والتصميم المرن. هذه الميزة تجعل الألومنيوم المطبوع ثلاثي الأبعاد خيارًا جذابًا للشركات التي تبحث عن حلول فريدة ومخصصة.
الخطوة التالية المتوقعة هي بناء نماذج أولية للمكونات المصممة باستخدام هذه السبيكة الجديدة واختبارها في ظروف تشغيل حقيقية. من المتوقع أن يستغرق هذا الأمر ما بين 12 إلى 18 شهرًا. سيراقب الباحثون والمصنعون عن كثب أداء هذه المواد وتكاليف إنتاجها لتحديد ما إذا كانت قابلة للتطبيق التجاري على نطاق واسع. هناك حالة من عدم اليقين بشأن مدى سرعة اعتماد الصناعة لهذه التكنولوجيا الجديدة، ولكن الإمكانيات واعدة.













