يرتبط تناول السكر غالبًا بالتحذيرات الصحية، إلا أن دراسة حديثة نشرت في دورية “نيتشر كوميونيكيشنز” سلطت الضوء على إمكانية تحويل السكر إلى مصدر دخل واعد. فقد نجح فريق بحثي من مركز وزارة الطاقة الأميركية للابتكار المتقدم في مجال الطاقة الحيوية والمنتجات الحيوية بجامعة إلينوي كابي في تحويل جزيئات السكر إلى مادة كيميائية أساسية، وهي حمض الأكريليك، الذي يشهد سوقه العالمي نموًا هائلاً.
هذا الاكتشاف، الذي تم في 13 يناير 2026، يفتح آفاقًا جديدة لإنتاج هذه المادة الكيميائية الهامة بطرق أكثر استدامة وفعالية من حيث التكلفة، مما قد يؤثر بشكل كبير على صناعات متنوعة مثل البلاستيك والدهانات وحفاضات الأطفال. ويعتمد هذا التحول على استخدام تقنيات التخمير الحيوي المتقدمة.
إنتاج حمض الأكريليك من السكر: ثورة في الصناعة الكيميائية
حمض الأكريليك هو مادة كيميائية صناعية حيوية تستخدم في مجموعة واسعة من التطبيقات، بما في ذلك إنتاج البوليمرات، والمواد اللاصقة، والطلاءات، والمنسوجات غير المنسوجة. يقدر حجم السوق العالمي لحمض الأكريليك بحوالي 20 مليار دولار أمريكي سنويًا، مع طلب يتجاوز 6.6 مليون طن، وفقًا لبيان صادر عن مركز كابي.
تقليديًا، يتم إنتاج حمض الأكريليك من خلال عمليات كيميائية تعتمد على المشتقات البترولية، وهي عمليات مكلفة وتنتج كميات كبيرة من النفايات الضارة بالبيئة. وقد بذلت جهود سابقة لإنتاج حمض الأكريليك حيويًا من السكريات النباتية، ولكنها لم تحقق جدوى اقتصادية بسبب التحديات التقنية.
تحديات الإنتاج الحيوي السابقة
أحد أكبر التحديات في الإنتاج الحيوي لحمض الأكريليك هو الحاجة إلى الحفاظ على بيئة معتدلة الحموضة لضمان كفاءة عمل البكتيريا والخمائر المستخدمة في عملية التخمير. يتطلب ذلك استخدام مواد كيميائية باهظة الثمن لإدارة الحموضة، مما يزيد من تكلفة الإنتاج ويقلل من ربحيته.
حل مبتكر: خميرة تتحمل الحموضة
تغلب فريق البحث على هذه المشكلة من خلال استخدام نوع غير تقليدي من الخميرة يُدعى “إيساتشنكيا أوريانتاليس”. تتميز هذه الخميرة بقدرتها الفريدة على النمو والتكاثر في بيئات شديدة الحموضة، مما يلغي الحاجة إلى تعديل الحموضة أو إضافة مواد كيميائية باهظة الثمن. هذه الخاصية تجعل عملية التخمير أبسط وأكثر فعالية من حيث التكلفة.
بالإضافة إلى ذلك، استخدم الباحثون تقنيات الهندسة الوراثية المتقدمة لتعديل المسارات الأيضية داخل الخميرة، بهدف تحسين كفاءة إنتاج 3-هيدروكسي بروبيونيك (3-HP)، وهو المركب الأساسي لإنتاج حمض الأكريليك. وقد أدت هذه التعديلات إلى زيادة كبيرة في إنتاجية الخميرة وتقليل استهلاكها للأكسجين والطاقة.
أظهرت التجارب المعملية نتائج مبهرة، حيث حقق الفريق كفاءة إنتاج بلغت 70% وتركيزًا وصل إلى 92 غرامًا لكل لتر. تعتبر هذه الأرقام الأعلى عالميًا بين جميع الأنظمة الحيوية المعروفة، وتتجاوز بكثير الحد الأدنى المطلوب لجعل العملية مربحة صناعيًا. وقد أكدت التحليلات الاقتصادية والبيئية أن هذا النهج الجديد أكثر ربحية وأقل ضررًا للبيئة مقارنة بالطرق التقليدية.
تعتبر هذه التقنية خطوة مهمة نحو تحقيق الاستدامة في الصناعة الكيميائية وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. كما أنها تفتح الباب أمام تطوير طرق جديدة لإنتاج مواد كيميائية أخرى من مصادر متجددة، مثل الكتلة الحيوية. وتشمل الكيماويات ذات الصلة أيضًا مركبات البولي أكريلات المستخدمة في تطبيقات مثل معالجة المياه.
من المتوقع أن يقوم مركز كابي بإجراء المزيد من الدراسات لتوسيع نطاق الإنتاج وتحسين كفاءة العملية. كما يخطط الفريق للتعاون مع الشركات الصناعية لتسويق هذه التقنية الجديدة وتطبيقها على نطاق واسع. وتشير التقديرات إلى أن الإنتاج التجاري لحمض الأكريليك من السكر قد يبدأ في غضون السنوات الثلاث إلى الخمس القادمة، مع الأخذ في الاعتبار التحديات التنظيمية واللوجستية المحتملة. ويجب مراقبة التطورات في مجال الهندسة الوراثية وتكاليف إنتاج الكتلة الحيوية لتقييم الجدوى الاقتصادية طويلة الأجل لهذه التقنية.













