تخيل وجود سجل دقيق لكل حدث جزيئي داخل الخلية، هذا ما حققه باحثون في جامعة هارفارد الأمريكية من خلال ابتكار تقنية جديدة تسمى “تايم-فولتس” أو “خزائن الزمن”، وهي كبسولة زمنية داخل الخلايا تسجل تاريخها الجزيئي. هذا الاختراق العلمي المذهل يفتح آفاقًا جديدة لفهم مقاومة السرطان للعلاج ودراسة سلوك الخلايا الجذعية، ويعد خطوة كبيرة نحو تطوير علاجات أكثر فعالية.
أعلن قسم الخلايا الجذعية وعلم الأحياء التجديدي بجامعة هارفارد عن هذا الإنجاز في 26 يناير 2026، بعد سنوات من البحث والتطوير. تتيح هذه التقنية الجديدة للعلماء تتبع التغيرات الجزيئية داخل الخلايا بمرور الوقت، مما يوفر رؤى غير مسبوقة حول العمليات البيولوجية المعقدة. النتائج الأولية للدراسة نشرت في دورية “ساينس” المرموقة.
كيف تعمل تقنية “تايم-فولتس”؟
تعتمد “تايم-فولتس” على هياكل طبيعية موجودة داخل الخلايا تسمى “فولتس”، وهي عبارة عن براميل صغيرة لم تكن وظيفتها معروفة بشكل كامل. قام الباحثون بتعديل هذه الهياكل لتصبح قادرة على التقاط جزيئات “الحمض النووي الريبوزي الرسول” (mRNA)، وهي الجزيئات التي تحمل التعليمات من الجينات لإنتاج البروتينات.
عندما يتم تفعيل التقنية، تبدأ “فولتس” في تخزين جزيئات mRNA، وتسجيل النشاط الجيني للخلية. يمكن إيقاف التسجيل عن طريق إزالة دواء معين، تاركًا وراءه سجلًا دقيقًا للأحداث الجزيئية التي وقعت داخل الخلية. تستطيع هذه الكبسولة تخزين جزء كبير من جزيئات mRNA لمدة تصل إلى أسبوع دون التأثير على وظيفة الخلية.
ميزة التفوق على التقنيات السابقة
تختلف “تايم-فولتس” عن التقنيات السابقة التي كانت تعتمد على تعديل الجينات، مثل “كريسبر”، في أنها لا تتطلب تحديد مسبق للأحداث التي يجب مراقبتها. بدلاً من ذلك، تسجل “تايم-فولتس” جميع جزيئات mRNA بشكل غير متحيز، مما يوفر صورة أكثر اكتمالاً للنشاط الخلوي. هذا يسمح للعلماء باكتشاف أنماط وعلاقات جديدة لم تكن واضحة من قبل.
تطبيقات واعدة في علاج السرطان
أحد أهم تطبيقات هذه التقنية يكمن في فهم مقاومة السرطان للعلاج. وفقًا للباحث فاي تشين من جامعة هارفارد، فإن “تايم-فولتس” ساعدت في تحديد جينات معينة تساهم في قدرة بعض الخلايا السرطانية على النجاة من العلاج الكيميائي. من خلال تثبيط هذه الجينات، يمكن جعل العلاج أكثر فعالية.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام “تايم-فولتس” لدراسة الخلايا الجذعية وكيفية تحولها إلى أنواع خلايا مختلفة. هذا يمكن أن يؤدي إلى تطوير علاجات جديدة للأمراض التنكسية العصبية وإصابات الحبل الشوكي. كما يمكن أن تساعد في فهم عملية الشيخوخة وتأخيرها.
دور التقنية في فهم البيولوجيا الخلوية
لا تقتصر فائدة هذه التقنية على الأبحاث الطبية فقط، بل تمتد لتشمل فهم أساسيات البيولوجيا الخلوية. من خلال توفير سجل دقيق للأحداث الجزيئية، يمكن للعلماء الحصول على رؤى جديدة حول كيفية عمل الخلايا وكيفية استجابتها للمؤثرات الخارجية. هذا يمكن أن يؤدي إلى تطوير علاجات جديدة لمجموعة واسعة من الأمراض.
الخطوات المستقبلية والتحديات المحتملة
الخطوة التالية هي توسيع نطاق استخدام “تايم-فولتس” ليشمل أنواعًا مختلفة من الخلايا والأنسجة. يهدف الباحثون أيضًا إلى تحسين دقة التقنية وزيادة مدة التسجيل. من المتوقع أن يتم إجراء المزيد من التجارب السريرية لتقييم فعالية هذه التقنية في علاج السرطان والأمراض الأخرى.
على الرغم من الإمكانات الهائلة لـ “تايم-فولتس”، إلا أن هناك بعض التحديات التي يجب التغلب عليها. أحد هذه التحديات هو ضمان عدم تأثير التقنية على وظيفة الخلية. التحدي الآخر هو تطوير طرق لتحليل كميات كبيرة من البيانات التي تنتجها “تايم-فولتس”. ومع ذلك، فإن الباحثين متفائلون بشأن التغلب على هذه التحديات وتحقيق أقصى استفادة من هذه التقنية الثورية.











