لطالما ساد الاعتقاد بأن القشرة الأرضية صلبة وثابتة، غير أن الأبحاث الحديثة، وخاصة تلك التي أجريت في إثيوبيا، تقدم أدلة علمية متزايدة على مرونتها وقدرتها على الاستجابة للتغيرات في الأحمال السطحية. هذه الظاهرة، المعروفة باسم “التحميل المرن لكتلة السطح”، تظهر كيف تتنفس الأرض صعودًا وهبوطًا استجابةً لتراكم أو انحسار المياه، مما يفتح آفاقًا جديدة لفهم العمليات الجيولوجية وإدارة الموارد المائية.
وقد رُصدت هذه الاستجابة المرنة سابقًا في مناطق مختلفة حول العالم، مثل المناطق التي تشهد ذوبان الجليد في كندا وإسكندنافيا، وأحواض الأنهار الكبرى كالأمازون. ومع ذلك، فإن رصدها في إثيوبيا يمثل تحديًا فريدًا نظرًا لموقع البلاد في الأخدود الأفريقي العظيم، وهي منطقة نشطة تكتونيًا حيث تتداخل إشارات المياه مع تأثيرات الزلازل والصدوع والبراكين.
فهم ظاهرة التحميل المرن لكتلة السطح
نجح فريق بحثي من جامعة مادا والابو في إثيوبيا، بقيادة الدكتور عبديسا كاو كوجي، في فصل تأثير الأمطار الموسمية عن الأنشطة التكتونية المعقدة في المنطقة. وقد نشرت نتائج هذه الدراسة في دورية “جورنال أوف أفريكان إيرث ساينس”، مسلطة الضوء على أهمية هذه الاكتشافات.
يشرح الدكتور كاو كوجي الظاهرة بتشبيه بسيط: “إذا تخيلنا القشرة الأرضية كمرتبة إسفنجية، فإن الأمطار الموسمية تمثل وزنًا إضافيًا يضغط على هذه المرتبة، مما يؤدي إلى انخفاضها قليلًا. وعندما تتناقص المياه، تعود المرتبة إلى وضعها الأصلي.”
تحدث هذه التغيرات في إثيوبيا بشكل رئيسي خلال موسمي الأمطار، كيريمت (يونيو-سبتمبر) وبلغ (فبراير-مايو)، حيث تؤدي الهطولات الغزيرة إلى زيادة كبيرة في مخزون المياه، مما يؤثر على القشرة الأرضية.
التحديات في رصد الظاهرة في إثيوبيا
يواجه الباحثون تحديات خاصة في رصد هذه الظاهرة في إثيوبيا بسبب النشاط التكتوني العالي في المنطقة. فالأخدود الأفريقي العظيم يشهد باستمرار زلازل وصخور بركانية، مما يجعل من الصعب تحديد ما إذا كانت التغيرات في ارتفاع الأرض ناتجة عن الأمطار أم عن هذه الأنشطة الجيولوجية.
للتغلب على هذه التحديات، استخدم الفريق البحثي مزيجًا من بيانات نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس) وبيانات أقمار جريس، وهو مشروع فضائي يراقب تغيرات الجاذبية الأرضية. وقد سمحت هذه المنهجية بتقديم دليل قاطع على أن الهبوط الطفيف في القشرة الأرضية خلال موسم الأمطار ناتج بالفعل عن زيادة وزن المياه.
أهمية دراسة التحميل المرن لكتلة السطح
تكمن أهمية دراسة هذه الظاهرة في فهم أفضل للعمليات الجيولوجية التي تؤثر على القشرة الأرضية. كما أنها تساعد في إدارة الموارد المائية بشكل أكثر فعالية، وتقييم المخاطر الجيولوجية المحتملة. فهم كيفية استجابة الأرض لتغيرات المياه يمكن أن يساعد في التنبؤ بالفيضانات والجفاف، وتحسين تصميم السدود والخزانات.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تساعد هذه الدراسات في تقييم تأثير الأنشطة البشرية على القشرة الأرضية، مثل بناء السدود الكبيرة أو استخراج المياه الجوفية. فمن خلال مقارنة التغيرات الطبيعية في ارتفاع الأرض مع التغيرات الناتجة عن الأنشطة البشرية، يمكن للعلماء تحديد مدى تأثير هذه الأنشطة على البيئة.
وتشير الدراسة إلى أن تأكيد كون هذا الهبوط -الذي لا يتجاوز بضعة مليمترات- ناتج بالفعل عن الأمطار الموسمية لم يكن أمرا سهلا، غير أن المنهجية التي استخدمها كاو كوجي وفريقه قدمت دليلا قاطعا على ذلك.
وتعتبر هذه الدراسة إضافة قيمة للمعرفة العلمية في مجال الجيوديسيا والهيدرولوجيا، وستساهم في تطوير نماذج أكثر دقة للتنبؤ بالتغيرات في القشرة الأرضية.
من المتوقع أن يستمر الباحثون في جمع البيانات وتحليلها لفهم أفضل لهذه الظاهرة وتأثيراتها المحتملة. كما يخططون لتوسيع نطاق الدراسة ليشمل مناطق أخرى في الأخدود الأفريقي العظيم. وستظل مراقبة التغيرات في القشرة الأرضية وتقييم تأثير الأنشطة البشرية على البيئة من الأولويات الرئيسية للباحثين في هذا المجال.













