لم يعد الحديث عن الإيجابية يقتصر على تشجيع الناس على التفاؤل، بل تحوّل لدى كثيرين إلى معيار أخلاقي غير معلن يُفترض فيه أن يظل الإنسان متماسكا ومبتسما، قادرا على تحويل أي خسارة إلى فرصة، مهما قست الظروف. هذا التركيز المفرط على التفكير الإيجابي، والذي يُعرف علميًا بـ “الإيجابية السامة“، يواجه انتقادات متزايدة من باحثين في علم النفس، الذين يحذرون من أنه قد يتحول من وسيلة دعم إلى مصدر ضغط نفسي واجتماعي.
هذا الخطاب، الذي تتصدره كتب التنمية الذاتية ومنشورات مواقع التواصل الاجتماعي، يثير تساؤلات حول تأثيره الحقيقي على الصحة النفسية للأفراد. فهل الإصرار على التفاؤل الدائم يعزز القدرة على التكيف، أم أنه يخفي مشاعر حقيقية ويؤدي إلى تفاقم المشكلات؟
الإيجابية السامة: عندما يصبح التفاؤل عبئًا
يستخدم مصطلح “الإيجابية السامة” في علم النفس لوصف نمط من التعامل العاطفي يقوم على إنكار المشاعر السلبية أو التقليل من شأنها عبر فرض لغة تفاؤل قسري في جميع الظروف، بما في ذلك المواقف التي تتطلب الحزن أو الغضب أو الاعتراف بالألم. وتشير الدكتورة ساشا هاينز، الحاصلة على دكتوراه في علم النفس التنموي، في مقال تحليلي إلى أن الإيجابية السامة ليست شكلا صحيا من التفاؤل، بل هي “تجنب عاطفي” يمنع الفرد من معالجة مشاعره الحقيقية.
وتوضح هاينز أن علم النفس الحديث لا يصنف المشاعر إلى “جيدة” و”سيئة”، بل يتعامل معها بوصفها استجابات طبيعية للسياق. قمع المشاعر السلبية لا يؤدي إلى زوالها، بل إلى ظهورها لاحقا على شكل قلق مزمن أو إنهاك نفسي. وهذا الطرح تدعمه أبحاث أكاديمية أخرى تشير إلى أن تجاهل المشاعر السلبية أو التقليل منها يرتبط بزيادة مستويات التوتر وضعف التكيف النفسي.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
تأثير الضغوط الاجتماعية والثقافية
تتفاقم مشكلة الإيجابية السامة بسبب الضغوط الاجتماعية والثقافية التي تشجع على إظهار الوجه المشرق وإخفاء المشاعر السلبية. في العديد من المجتمعات، يُنظر إلى التعبير عن الحزن أو الغضب على أنه ضعف أو سلبية، مما يدفع الأفراد إلى قمع مشاعرهم الحقيقية والتركيز على الجوانب الإيجابية فقط. هذا الأمر قد يؤدي إلى شعور بالعزلة والانفصال عن الآخرين، بالإضافة إلى زيادة خطر الإصابة بمشاكل الصحة النفسية.
التحول إلى صناعة عالمية
في موازاة صعود خطاب الإيجابية، انتشرت نصائح النجاح الفردي التي تفترض أن الإرادة والتفكير الإيجابي كفيلان بتجاوز أي عائق. تحول هذا المجال إلى صناعة متكاملة تقدر قيمتها بعشرات مليارات الدولارات سنويا، وفقًا لتحليل نشرته مجلة ذي أتلانتيك. وتشير المجلة إلى أن المشكلة لا تكمن في كتب تطوير الذات بحد ذاتها، بل في تسويق “التحوّل الشخصي” بمنتج جاهز وقائم على وصفات عامة وسريعة وغالبا من دون سند علمي واضح.
الايجابية والواقعية: تحقيق التوازن
لا يدعو النقد العلمي لهذا التوجه إلى التشاؤم أو الاستسلام، بل إلى إعادة الإيجابية إلى حجمها الطبيعي بوصفها أداة دعم لا التزاما دائما. وتظهر الأبحاث أن الأفراد الذين يتبنون نهج قبول المشاعر والأفكار السلبية دون إنكار أو قمع يتمتعون بصحة نفسية أفضل ومستويات أقل من القلق والاكتئاب. هذا التوازن بين الإيجابية والواقعية يعزز المرونة النفسية، ويمنح الأفراد قدرة أكبر على التكيف مع الضغوط.
التفكير الإيجابي، عندما يكون متوازناً وواقعياً، يمكن أن يكون أداة قوية لتحسين الصحة النفسية والرفاهية. التنمية الذاتية، عندما تستند إلى أسس علمية وتراعي الفروق الفردية، يمكن أن تساعد الأفراد على تحقيق أهدافهم وتطوير قدراتهم. ولكن يجب أن نتذكر دائماً أن المشاعر السلبية هي جزء طبيعي من الحياة، وأن قمعها أو إنكارها يمكن أن يكون له آثار سلبية على صحتنا النفسية.
وفي الختام، من المتوقع أن يستمر النقاش حول مفهوم الإيجابية السامة وتأثيره على الصحة النفسية. من المرجح أن تشهد السنوات القادمة المزيد من الأبحاث والدراسات التي تسعى إلى فهم أفضل للعلاقة بين التفكير الإيجابي والرفاهية النفسية. ما يجب مراقبته هو تطور الوعي المجتمعي بأهمية الاعتراف بالمشاعر السلبية والتعامل معها بطريقة صحية، بدلاً من محاولة قمعها أو إنكارها.













