مع مطلع عام 2026، يشهد المشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية تفاؤلاً حذراً وتطلعات متجددة. المثقفون والكتاب السعوديون يأملون في تعزيز الأصالة والإبداع، وتحقيق نقلة نوعية في جودة المخرجات الثقافية وتوزيعها. هذا العام، يركز الحوار على أهمية المبادرات المستدامة، ودعم المبدعين، وتوسيع نطاق الوصول إلى الثقافة ليشمل كافة مناطق المملكة، مما يعكس تحولاً كبيراً في المشهد الثقافي السعودي.
تطلعات لمشهد ثقافي سعودي أكثر ازدهاراً
أعرب عدد من المثقفين والكتاب والنقاد عن آمالهم في أن يشهد عام 2026 تطورًا ملحوظًا في المشهد الثقافي السعودي. وشددوا على ضرورة الابتعاد عن الكمّ والتركيز على الجودة والاستمرارية في المبادرات الثقافية. الناقدة الدكتورة أسماء المبارك دعت إلى مبادرات عملية واضحة تتجاوز الفعاليات الموسمية، وتصل إلى المدارس والأحياء والمناطق النائية، وفقاً لتصريحاتها الأخيرة.
التركيز على حماية التراث وتعزيز الإبداع
بينت الدكتورة المبارك أن الحفاظ على التراث المادي وغير المادي، وتوثيقه رقمياً، يمثل ضرورة حتمية. وتسعى إلى تشجيع التجارب الإبداعية الجديدة التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، لضمان عدم تحويل التراث إلى مجرد قطع أثرية صامتة. وأكدت على أهمية الحوار المسؤول والانفتاح على الجديد كعناصر أساسية لازدهار الثقافة.
من جهتها، أعربت الكاتبة سهام القحطاني عن ارتياحها للنهضة الثقافية التي شهدتها المملكة في عام 2025، مشيرةً إلى فعاليات بارزة مثل مهرجان الدرعية للرواية، وتحدي “بوليسيثون” للابتكار الثقافي، ومزاد “أوريجينز” الذي يجسد الشراكة بين الفن السعودي والعالمي. ومع ذلك، لاحظت القحطاني بعض الركود في الساحة الأدبية، داعيةً إلى إحياء القضايا الأدبية الجدلية التي تمثل روح الأدب.
تحديات وفرص في الثقافة السعودية
أكد الكاتب محمد ربيع الغامدي أن المملكة تشهد انتقالًا من الاكتفاء الثقافي المغلق إلى الاكتفاء الثقافي المُختبَر، وأن الانفتاح لم يأتِ على أرض خالية، بل على أرض غنية بالذاكرة الثقافية المحلية. إلا أن هذه الثروة تحتاج إلى تداول ونشر. ودعا الغامدي إلى بناء أربع طبقات أساسية: ذاكرة منتجة، ولغة قادرة على التفكير، وثقة بالنفس، وتجنب الانكفاء.
وفي سياق متصل، أشارت أستاذة الدراسات الأدبية والنقدية الدكتورة دوش بنت فلاح الدوسري إلى الازدهار الحالي، وتعدد الفعاليات، لكنها شددت على ضرورة التطلع إلى الأفضل وإحداث تغيير مستمر. ودعت إلى اكتشافات تثري الثقافة السعودية في مجالات الفن والأدب والفلسفة، والبحث عن الأصوات الجديدة والموضوعات المبتكرة.
أهمية التجديد وتجنب التكرار
الكاتب علي القاسمي أثار قضية تكرار الأسماء في الفعاليات والمحافل الثقافية، وطالب بتجديد الدماء وإتاحة الفرصة لمواهب جديدة. وأكد على أهمية أن تتناول العناوين والأفكار المقدمة قضايا جادة ذات دلالات عميقة، وأن يكون القائمون على التخطيط والإعداد من أهل المشهد ورواده.
من جانبه، أشاد الشاعر إبراهيم زولي بالدور الكبير الذي تلعبه رؤية السعودية 2030 في دعم الثقافة وتحقيق التنمية المستدامة. كما أضاف أن الثقافة أصبحت ممارسة وطنية تعكس هوية المملكة وتنوعها الحضاري.
ويرى الناقد الدكتور سعد الرفاعي أن التطلعات من الثقافة كبيرة ومتناسبة مع الدور التنموي الذي تلعبه في تحقيق أهداف رؤية 2030. لكنه يشير إلى أن الهيئات الثقافية قد تحتاج إلى مزيد من الدعم والتطوير لمواكبة هذه التطلعات. واقترح الدكتور الرفاعي تعميم مبادرة البيوت الثقافية لدعم أنشطة الجمعيات الثقافية.
وطالب الروائي طاهر الزهراني بالاهتمام بكتب الرواد وإعادة إحيائها، بالإضافة إلى وضع معايير للجودة في المخرجات الثقافية، والتأكد من أن الترجمة للأدب السعودي تتم بواسطة مترجمين موثوقين ودور نشر مرموقة.
أما الكاتب لاحق العاصمي فقد دعا إلى تسليط الضوء على الأسماء الشابة في الأدب، وتجاوز القضايا المكررة، والتركيز على الموضوعات الجديدة التي تثري المشهد الثقافي. فيما أكد الشاعر سعود الهملاني على أهمية رعاية ودعم المثقفين، وتوفير بيئة محفزة للإبداع.
فيما ختم الروائي سالم الصقور بدعوة إلى اعتبار الاستثمار الثقافي قوة حقيقية ومصدرًا للتنوع، وربطه بشكل مباشر بأهداف رؤية 2030، بعيدًا عن النظرة التقليدية التي تعتبره مجرد نشاط ثانوي.
من المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة إعلانات عن مبادرات جديدة من وزارة الثقافة والهيئات التابعة لها، بهدف تحقيق هذه التطلعات. وسيتابع المراقبون عن كثب مدى استجابة هذه الهيئات لمطالب المثقفين، وتطبيقها لمعايير الجودة والتنوع في الأنشطة والمشاريع الثقافية. وتظل مسألة دعم المبدعين الشباب وتذليل العقبات التي تواجههم على رأس الأولويات، حيث يمثلون مستقبل الثقافة في المملكة.












