يشهد لبنان وإسرائيل تحركات دبلوماسية متزايدة، مدفوعة بجهود أمريكية، بهدف تحقيق استقرار إقليمي دائم. وتأتي هذه الجهود بالتزامن مع استمرار التوترات الحدودية، حيث تتحدث الأطراف عن استعدادها للدخول في مفاوضات لإنهاء الصراع، مع التركيز على حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. وتُعد هذه التطورات الأحدث في سلسلة من المحادثات والمساعي التي تهدف إلى تهدئة الوضع المتأزم بين البلدين.
في 26 يناير 2026، صرحت السفارتان الأمريكية في بيروت وتل أبيب بأنهما ناقشتا خطوات تهدف إلى “منطقة أكثر سلامًا وازدهارًا”، مؤكدتين دعمهما للدبلوماسية والحوار بين لبنان وإسرائيل. يأتي هذا الإعلان بعد محادثات مباشرة جرت في ديسمبر الماضي، وهي الأولى من نوعها بين الجانبين منذ عقود، وذلك في إطار آلية أمريكية لمراقبة وقف إطلاق النار.
مساعي تحقيق مفاوضات شاملة بين لبنان وإسرائيل
تعتبر الحكومة اللبنانية هذه المحادثات فرصة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية ووقف الاعتداءات المستمرة. وقد أعلنت بيروت رسميًا استعدادها للدخول في مفاوضات مع إسرائيل، مع تحديد هدف واضح وهو تحقيق سلام مستدام.
من جهته، جدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دعوته لانضمام لبنان إلى “اتفاقات إبراهيم”، التي أدت إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية. ويرى نتنياهو أن هذه الاتفاقات تمثل نموذجًا واعدًا لتحقيق الاستقرار في المنطقة.
تجدر الإشارة إلى أن لبنان وإسرائيل سبق لهما إجراء محادثات مباشرة في عام 1983، أسفرت عن توقيع اتفاق لم يتم التصديق عليه في النهاية. ووفقًا لمكتب نتنياهو، من المتوقع أن تتطرق أي محادثات مستقبلية إلى ملفات التعاون الاقتصادي، بالإضافة إلى القضايا السياسية والأمنية.
الوضع الأمني الميداني وتأثيره على المفاوضات
على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر 2024، تواصل إسرائيل شن غارات على لبنان، بذريعة استهداف عناصر تابعة لحزب الله ومخازن أسلحته. وتؤكد تل أبيب أنها لن تسمح للحزب بإعادة بناء قدراته العسكرية.
وقد أسفرت هذه الغارات عن مئات القتلى والجرحى اللبنانيين، بالإضافة إلى استمرار الاحتلال الإسرائيلي لخمسة تلال لبنانية ومناطق أخرى منذ عقود. هذه الخروقات تشكل تحديًا كبيرًا للمساعي الدبلوماسية الجارية.
في 5 أغسطس 2025، أقرت الحكومة اللبنانية قرارًا بحصر السلاح بيد الدولة، بما في ذلك الأسلحة التي يمتلكها حزب الله. وتتضمن خطة الجيش اللبناني خمس مراحل، تهدف إلى بسط سيطرة الدولة على جميع الأراضي اللبنانية.
أعلن الجيش اللبناني في يناير 2026 إنجاز المرحلة الأولى من خطة نزع ترسانة حزب الله، مؤكدًا سيطرته العملياتية على الأراضي الواقعة جنوب نهر الليطاني. ومع ذلك، لا تزال بعض المناطق خاضعة للاحتلال الإسرائيلي، مما يعيق استكمال الخطة.
الجيش اللبناني أكد أن اعتداءات إسرائيل واحتلالها للمواقع اللبنانية يؤثر سلبًا على استكمال خطة حصر السلاح، بينما شككت إسرائيل في فعالية هذه الخطوة واعتبرتها غير كافية.
رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون أعلن عن تحقيق “تقدم غير مسبوق” في ملف حصر السلاح وبسط سلطة الدولة، مشيرًا إلى أن ما تم إنجازه خلال عام من ولايته لم يشهده لبنان منذ أربعة عقود.
في المقابل، يصر حزب الله على تمسكه بسلاحه، داعيًا إلى إنهاء العدوان الإسرائيلي على لبنان وانسحابها من الأراضي المحتلة. هذا الموقف يمثل عقبة رئيسية أمام تحقيق أي تقدم في المفاوضات.
مع استمرار التوترات الميدانية والتباين في المواقف السياسية، يبقى مستقبل المفاوضات بين لبنان وإسرائيل غير واضح. ومن المتوقع أن تشهد الأيام القادمة مزيدًا من الجهود الدبلوماسية، مع التركيز على إيجاد حلول للقضايا العالقة. وستكون شباط/فبراير موعدًا حاسمًا لمناقشة المرحلة الثانية من خطة الجيش اللبناني، وهو ما قد يؤثر بشكل كبير على مسار المفاوضات.













