على سطح الجليد تحدث مفارقة لطيفة، حيث قد تتكون طبقة رقيقة “تشبه السائل” فوق الجليد وهو لا يزال صلبا، حتى عند درجات حرارة منخفضة للغاية. هذه الظاهرة، المعروفة باسم الذوبان المبكر، لطالما أثارت فضول العلماء، إلا أن فهم تركيب هذه الطبقة على المستوى الجزيئي ظل تحديًا. أخيرًا، وباستخدام تقنيات متطورة تعتمد على التعلم الآلي، تمكن فريق بحثي دولي من الكشف عن تفاصيل جديدة حول هذه الظاهرة الهامة، بما في ذلك وجود طبقة جليدية غير بلورية تسبق تكون الطبقة الشبه سائلة، وهو ما يغير فهمنا لعملية الذوبان المبكر.
أجريت الدراسة، التي نُشرت في مجلة “فيزيكال ريفيو إكس” في الأول من يناير 2026، بالتعاون بين باحثين من عدة جامعات ومؤسسات بحثية مرموقة حول العالم. النتائج الجديدة قد يكون لها تداعيات واسعة على مجالات متعددة، من فهم الاحتكاك والانزلاق على الأسطح المتجمدة، إلى دراسة التفاعلات الكيميائية التي تحدث في البيئات الباردة. هذه التفاعلات الكيميائية لها صلة بالعمليات البيئية، ودراسة المواد، والتطبيقات التي تتطلب التحكم في درجات الحرارة المنخفضة.
الذوبان المبكر والطبقة المخفية
لم يكن الكشف عن بنية الطبقة الشبه سائلة هو الأمر الوحيد الهام في هذه الدراسة. أظهرت النتائج وجود طبقة رقيقة من الجليد تفتقد إلى الترتيب البلوري المعتاد، تظهر مباشرة قبل نشوء الطبقة الشبه سائلة. هذه المرحلة الانتقالية اللا بلورية كانت غير معروفة حتى الآن، وتم الكشف عنها بفضل دمج تقنيات التصوير المجهري مع نماذج المحاكاة الحاسوبية.
ووفقًا للباحثين، تتسم هذه الطبقة اللا بلورية بشبكة من الروابط الهيدروجينية “مضطربة ثنائية الأبعاد”، وبحركة جزيئية أقرب إلى حالة الصلابة منها إلى السيولة. تشكل هذه الطبقة في نطاق حراري يتراوح بين 121 و180 كلفن، وتمثل مرحلة مهمة في عملية التحول من الجليد الصلب إلى المياه الشبه سائلة على سطحه.
تحديات البحث السابقة
لطالما واجه العلماء صعوبات في دراسة الظواهر السطحية للجليد، خاصةً عند درجات حرارة قريبة من نقطة الذوبان. سطح الجليد في هذه الظروف ديناميكي للغاية وغير مستقر، وتتغير الروابط الجزيئية باستمرار، مما يجعل تصويره على نطاق الذرات مهمة معقدة. الأدوات التقليدية مثل مجهر القوة الذرية يمكنها مسح السطح بدقة عالية، لكنها غالبًا ما تقدم إشارات مشوشة يصعب تفسيرها بدقة.
ومع ذلك، باستخدام إطار عمل يدمج بين صور مجهر القوة الذرية ومحاكاة الديناميكيات الجزيئية، تمكن الفريق البحثي من تجاوز هذه القيود وتحليل بنية السطح بدقة أكبر. هذا النهج الجديد يتيح للباحثين الحصول على رؤى أعمق حول العمليات الجزيئية التي تحدث على سطح الجليد.
ماذا يعني هذا الاكتشاف؟
بالإضافة إلى كشف النقاب عن الطبقة اللا بلورية، توفر هذه الدراسة فهمًا أفضل للآليات التي تكمن وراء الاحتكاك والانزلاق على الأسطح المتجمدة. فهم هذه الآليات يمكن أن يساعد في تطوير مواد جديدة تقلل من الاحتكاك، أو تزيد من كفاءة التزلج على الجليد. كما أن هذه النتائج قد تساهم في تحسين النماذج الحسابية المستخدمة في دراسة التفاعلات الكيميائية التي تحدث على الجليد في البيئات الطبيعية، مثل الغلاف الجوي للأرض والكواكب الأخرى.
وتشير الدراسة إلى أن عملية التحول من الجليد الصلب إلى المياه الشبه سائلة ليست عملية بسيطة ومباشرة، بل تتضمن مراحل انتقالية معقدة لا تزال قيد الدراسة. الجليد ليس مجرد مادة بسيطة كما كنا نظن، بل يمتلك سلوكًا سطحياً فريدًا وله تأثيرات كبيرة على العديد من العمليات العلمية والتكنولوجية.
نظرة إلى المستقبل
يبحث العلماء الآن في كيفية تأثير هذه الطبقة اللا بلورية على الخواص الفيزيائية والكيميائية للجليد، وكيف يمكن استغلال هذه المعرفة في تطبيقات عملية. من المتوقع أن تظهر المزيد من الأبحاث في هذا المجال خلال الأشهر والسنوات القادمة، وقد تؤدي إلى اكتشافات جديدة تغير فهمنا للعالم المتجمد. يهدف الباحثون إلى إجراء محاكاة أكثر تفصيلاً، وتجربة مواد مختلفة، وتوسيع نطاق دراستهم لتشمل ظروفًا بيئية متنوعة. هذه الجهود ستساعد في توضيح الدور الذي يلعبه الذوبان المبكر والطبقة اللا بلورية في العمليات الطبيعية والتكنولوجية، وربما تفتح الباب أمام تطبيقات جديدة ومبتكرة.
من الجدير بالملاحظة أن تطوير هذه التقنيات يعتمد بشكل كبير على التقدم في مجالات علوم الحاسوب والفيزياء والمواد، وتكامل هذه التخصصات المختلفة. كما أن توافر الأدوات والموارد البحثية المتقدمة يلعب دورًا حاسمًا في تحقيق هذه الاكتشافات العلمية الهامة. ومن المتوقع أن تستمر الجهود البحثية في هذا المجال، وأن تسهم في تعزيز فهمنا لمادة الماء في حالاتها المختلفة.













