انتشرت مؤخرًا صورة فوتوغرافية أثارت جدلاً واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي، أظهرت ما بدا للوهلة الأولى كمذنب اصطناعي في سماء منغوليا الداخلية بالصين. في الواقع، لم يكن هذا الجسم السماوي سوى مجموعة من أقمار “ستارلينك” (Starlink) تجتمع معًا، وهو ما يفسر هذا المشهد البصري الفريد. وتثير هذه الظاهرة تساؤلات حول تأثير الأقمار الصناعية المتزايدة على رصد الأجرام السماوية الطبيعية.
التقط الصورة أحد هواة الفلك أثناء محاولته تصوير فيديو بتقنية التسلسل الزمني (Time-lapse) قبل شروق الشمس. وقد كشف التحليل أن الخطوط المضيئة التي ظهرت في الصورة هي في الواقع انعكاسات ضوء الشمس عن أقمار “ستارلينك” التي تدور حول الأرض.
ما هي أقمار “ستارلينك” وكيف تظهر كـ “مذنب اصطناعي”؟
أقمار “ستارلينك” هي أقمار صناعية صغيرة تابعة لشركة SpaceX، وهي مُصممة لتوفير خدمات الإنترنت عريضة النطاق منخفضة التكلفة في جميع أنحاء العالم. يتم إطلاق هذه الأقمار في مدار أرضي منخفض، على ارتفاع بضعة مئات من الكيلومترات.
نظرًا لتدور أقمار “ستارلينك” في مجموعات قريبة من بعضها البعض، يمكن أن تظهر معًا في نفس الإطار الزمني أثناء التصوير الفلكي. وبسبب انعكاسها لضوء الشمس، تبدو هذه الأقمار كنقاط مضيئة تتحرك عبر السماء. ومع ذلك، مدة التعريض الطويلة للكاميرا، كما في حالة التصوير بتقنية التسلسل الزمني، تحول هذه النقاط إلى خطوط قصيرة، مما يخلق وهمًا بصريًا بمذنب أو جسم طويل ممتد. هذا، بالطبع، مرتبط بظاهرة الأقمار الصناعية وسبب رؤيتها كخطوط.
تأثير الأقمار الصناعية على الرصد الفلكي
يثير الانتشار السريع لأقمار “ستارلينك” – حيث يوجد حاليًا أكثر من 9 آلاف قمر صناعي من هذا النوع في المدار – مخاوف متزايدة بين علماء الفلك وهواة جمع البيانات الفضائية. فقد حذروا من أن هذه الأقمار يمكن أن تتداخل مع عمليات الرصد الفلكي، وتترك آثارًا في الصور الفلكية، وتقلل من جودة البيانات المُجمعة.
ورغم أن هذه التأثيرات ليست جديدة، إلا أن حجم أسطول “ستارلينك” المتزايد يزيد من حدة المشكلة. تسعى SpaceX إلى إيجاد حلول لهذه المشكلة، مثل طلاء الأقمار بمواد تقلل من انعكاس الضوء، وتعديل مداراتها لتقليل تأثيرها على الرصد الفلكي.
يجدر بالذكر أن رؤية هذه الأقمار بالعين المجردة تعتمد على عدة عوامل، مثل وقت الرصد، وموقع المراقب، وارتفاع الأقمار في السماء. عادة ما تكون الأقمار الصناعية أكثر وضوحًا بعد غروب الشمس مباشرة أو قبل شروقها، عندما لا يزال ضوء الشمس ينعكس عنها. كما أن المناطق الريفية والمظلمة تكون أفضل من المناطق الحضرية المضيئة لرصد هذه الأقمار. الأمر كله يتوقف على تكنولوجيا الأقمار الصناعية المستخدمة.
ماذا عن المستقبل والحلول الممكنة؟
من المتوقع أن يستمر SpaceX في إطلاق المزيد من أقمار “ستارلينك” في السنوات القادمة، بهدف إنشاء شبكة إنترنت عالمية. بالتزامن مع ذلك، يبحث مجتمع الفلك عن طرق للتخفيف من تأثير هذه الأقمار على عمليات الرصد. تشمل هذه الطرق تطوير خوارزميات جديدة لإزالة آثار الأقمار الصناعية من الصور الفلكية، وتنسيق جهود الرصد لتجنب الأوقات والأماكن التي تكون فيها الأقمار الصناعية أكثر كثافة.
بالإضافة إلى ذلك، هناك نقاش مستمر حول الحاجة إلى وضع لوائح دولية تنظم إطلاق الأقمار الصناعية، وتضمن حماية عمليات الرصد الفلكي. كما أن مسألة تلوث الفضاء الناتج عن الأقمار الصناعية المهملة باتت تشكل تهديدًا متزايدًا، وتستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة.
في الختام، تبقى ظاهرة ظهور “المذنب الاصطناعي” الناتجة عن أقمار “ستارلينك” بمثابة تذكير بالتحديات المتزايدة التي تواجه علماء الفلك في عصر الاستكشاف الفضائي التجاري. يتطلب معالجة هذه التحديات تعاونًا وثيقًا بين شركات الفضاء و مجتمع الفلك والحكومات، بهدف تحقيق التوازن بين الابتكار التكنولوجي وحماية التراث العلمي.













