منذ منتصف القرن العشرين، بدأ العلماء يدركون أن الطعام ليس مجرد مصدر للطاقة والمتعة، بل يلعب دوراً محورياً في انتشار العديد من الأمراض، مثل أمراض الجهاز الهضمي وأمراض القلب والسكري والسرطان. وقد أدى هذا الفهم المتزايد إلى التركيز على أهمية التغذية السليمة كعنصر وقائي وعلاجي.
وفي النصف الثاني من القرن العشرين، أظهرت دراسات وبائية وسريرية واسعة النطاق أن تبني نمط غذائي متوازن يمكن أن يقلل بشكل كبير من مخاطر هذه الأمراض، وأن طريقة تناولنا للطعام لا تقل أهمية عن الأدوية والتدخلات الطبية. هذا ما دفع السلطات الصحية في مختلف البلدان إلى تبسيط المعرفة العلمية المعقدة حول التغذية وتقديمها للجمهور بطرق سهلة الفهم.
من هرم إلى طبق.. ثم عودة مفاجئة إلى الهرم الغذائي
ظهر “الهرم الغذائي” في الولايات المتحدة ودول أخرى في بداية التسعينيات كأداة إرشادية لتوضيح الكميات وأنواع الأطعمة التي يفضل تناولها يومياً، من الحبوب والخضروات والفواكه والدهون والمنتجات الحيوانية. كان الهدف الأساسي هو حماية الصحة العامة والوقاية من الأمراض المزمنة.
ومع ذلك، لم يلبث الأمر طويلاً حتى وجه خبراء التغذية والصحة العامة انتقادات حادة للهرم الغذائي، معتبرين أنه يبسط الواقع بشكل مفرط ويقدم انطباعات مضللة حول ما يجب الإكثار منه وما يجب التقليل منه. فقد منحت قاعدة الهرم مساحة واسعة للحبوب دون تمييز واضح بين الحبوب الكاملة والمكررة، كما لم تميز بشكل كافٍ بين الدهون الصحية والدهون المشبعة.
ومع تصاعد معدلات السمنة والسكري وأمراض القلب، قررت السلطات الأمريكية في عام 2011 التخلي عن الهرم الغذائي واستبداله بنموذج “الطبق الصحي”. قدم هذا النموذج كبديل أقرب إلى شكل الوجبة اليومية الفعلية، وأكثر وضوحاً في توزيع المجموعات الغذائية وأحجام الحصص.
هرم جديد.. شكل مقلوب ورسائل ملتبسة حول التغذية
بعد أكثر من عقد على اعتماد نموذج الطبق الصحي، تعود الإرشادات الغذائية الأمريكية اليوم إلى الهرم، ولكن في صورة مختلفة: هرم “مقلوب” يرفع شعارات جذابة مثل “تناول الطعام الحقيقي” و”تجنب الأطعمة فائقة التصنيع”. هذا التغيير في الشكل واللغة يوحي بقطيعة مع الماضي، لكنه لا يقدم في الجوهر تحولاً جذرياً في التوصيات نفسها.
وعند التدقيق، يتضح أن جوهر التوصيات حول الدهون لم يتغير كثيراً؛ فالحد الأعلى الموصى به للدهون المشبعة لا يزال أقل من 10% من إجمالي السعرات الحرارية اليومية. ومع ذلك، فإن تصميم الهرم الجديد يمنح اللحوم والدهون الحيوانية مساحة واسعة نسبياً، مما قد يؤدي إلى فهم خاطئ لدى البعض.
كما أن الهرم الجديد لا يعكس بشكل كافٍ الأدلة العلمية المتراكمة حول فوائد الأنماط الغذائية المعتمدة أساساً على النباتات، مثل الحمية المتوسطية، في خفض مخاطر أمراض القلب والسكري وبعض أنواع السرطان. فالرسوم التوضيحية المرافقة تعطي حيزاً بصرياً كبيراً للمنتجات الحيوانية، وهو ما قد يفهم على أنه دعوة إلى الإكثار منها، في تناقض مع توصيات عديدة تحث على الاعتدال في البروتين الحيواني والتركيز على البروتينات النباتية.
تأثير الشخصيات المؤثرة على التوصيات الغذائية
لا تقتصر الملاحظات على ما قيل، بل تشمل أيضاً ما تم تجاهله أو تمريره بخجل. فقد أثارت تصريحات شخصيات بارزة، مثل روبرت إف. كينيدي الابن، وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكي، جدلاً واسعاً. يشتهر كينيدي بتبنيه نظريات مؤامرة ومواقف غير منسجمة مع الإجماع العلمي في مجالات الصحة العامة.
ومن بين هذه المواقف، الهجوم المتكرر على الزيوت النباتية المستخلصة من البذور، والترويج للحليب غير المبستر. تعتبر هذه المواقف مثيرة للقلق، خاصة وأنها تتعارض مع الأدلة العلمية التي تؤكد فوائد الزيوت النباتية ومخاطر الحليب غير المبستر.
عقبات على المائدة.. حين تكون النصائح أكبر من القدرة على الالتزام
يبدو أن عودة الهرم الغذائي تعكس نمطاً متكرراً في سياسات التغذية: تغييرات في الشكل واللغة أكثر من كونها مراجعة جوهرية للحلول المقترحة. سواء قدمت النصائح في صورة هرم أو طبق أو أيقونة رقمية جديدة، فإن تأثيرها على صحة الناس لن يكون كبيراً ما لم تترجم إلى واقع يجعل الخيار الصحي هو الأسهل والأكثر منطقية.
المجتمعات لا تحتاج إلى رموز جديدة بقدر ما تحتاج إلى سياسات تجعل الأغذية الكاملة والطازجة متاحة وميسورة التكلفة، وتراقب في الوقت نفسه انتشار وتسويق الأطعمة فائقة التصنيع. فالكلفة وسهولة الوصول وطبيعة البيئة الغذائية المحيطة هي عوامل تحدد في النهاية ما إذا كانت توصيات الخبراء ستتحول إلى عادات راسخة.
وفي الختام، من المتوقع أن تستمر النقاشات حول أفضل طريقة لتقديم الإرشادات الغذائية للجمهور. سيكون من المهم مراقبة تأثير الهرم الجديد على سلوكيات الأكل ومعدلات الإصابة بالأمراض المزمنة، وتقييم ما إذا كانت التغييرات في الشكل واللغة كافية لتحقيق الأهداف المرجوة في مجال الصحة العامة. يبقى التحدي الأكبر هو معالجة العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر على الخيارات الغذائية للأفراد.













