برّأت محكمة يونانية 24 عاملًا في المجال الإنساني، كانوا يواجهون اتهامات تتعلق بـتهريب المهاجرين في جزيرة ليسفوس. جاء هذا الحكم بعد سنوات من المماطلة القانونية، وأثار جدلاً واسعًا حول قوانين الهجرة في أوروبا والتعامل مع عمليات الإنقاذ البحرية. ويُعد هذا القرار بمثابة انتصار للمنظمات الحقوقية التي دافعت عن المتهمين، معتبرةً أن القضية تستهدف جهود الإغاثة الإنسانية.
أصدرت محكمة الاستئناف في ليسفوس حكمها مساء الخميس، مبرئةً المتهمين من تهم الانتماء إلى منظمة إجرامية، وتسهيل الدخول غير القانوني إلى اليونان، وغسيل الأموال، والتي تعود إلى الفترة بين عامي 2016 و 2021. وكان المتهمون يواجهون أحكامًا بالسجن تصل إلى 20 عامًا في حال إدانتهم.
قضية تهريب المهاجرين: تبرئة بعد سنوات من التحقيقات
أكد القاضي فاسيليس باباثاناسيو أن المحكمة توصلت إلى أن نية المتهمين لم تكن إجرامية، بل كانت تقديم المساعدة الإنسانية للمهاجرين الذين وصلوا إلى شواطئ ليسفوس. جاء هذا التصريح بعد أن أوصى المدعي العام نفسه بتبرئة المتهمين، مشيرًا إلى عدم وجود أدلة قوية تدعم الاتهامات الموجهة إليهم.
وكان أحد أبرز جوانب القضية هو استخدام المتهمين لتطبيق واتساب للتواصل بشأن القوارب التي تحمل المهاجرين. ادعى الادعاء أن هذا التواصل يشير إلى وجود مؤامرة إجرامية، إلا أن المحكمة رفضت هذا الدليل، معتبرةً أن “مجموعة تواصل على الإنترنت لا يمكن اعتبارها منظمة إجرامية”.
لم تصدر السلطات اليونانية أي تعليق رسمي على الحكم حتى الآن. لكن هذا القرار يثير تساؤلات حول فعالية قوانين مكافحة الهجرة في اليونان، وتأثيرها على عمل المنظمات الإنسانية التي تقدم المساعدة للمهاجرين.
ليسبوس: نقطة عبور رئيسية للمهاجرين
شهدت جزيرة ليسفوس، وهي منطقة سياحية شهيرة، تدفقًا كبيرًا من المهاجرين في عام 2015، خلال ذروة أزمة الهجرة في أوروبا. أصبحت الجزيرة نقطة دخول رئيسية للأفراد الذين يسعون للوصول إلى القارة الأوروبية عبر البحر الأبيض المتوسط.
وعلى الرغم من أن السلطات اليونانية قدمت القضية على أنها تتعلق بأمن الحدود، إلا أن الجماعات الحقوقية اعتبرتها منذ البداية “لا أساس لها”، وأبدت دعمها الكامل للمتهمين.
وصرح ويز دي غريف، المدير التنفيذي لمنظمة العفو الدولية في بلجيكا، والذي حضر جلسة المحكمة، أن القاعة شهدت تصفيقًا حارًا وعناقًا بين المتهمين بعد النطق بالحكم. وصف دي غريف النتيجة بأنها “حلوة ومرّة”، مشيرًا إلى أن الشهادات التي أدلى بها المتهمون كشفت عن “الآثار النفسية والمالية والعاطفية للمحاكمة على حياتهم”.
“ارتياح كبير” و تساؤلات حول مستقبل المساعدات الإنسانية
من بين المتهمين الذين تمت تبرئتهم، شان بيندر، وهو متطوع ألماني-إيرلندي عمل مع مركز الإنقاذ الدولي في حالات الطوارئ (ERCI). أعرب بيندر عن “ارتياحه الكبير” لعدم إدانته، ولكنه أشار إلى أن مجرد احتمال قضاء 20 عامًا في السجن كان “مقلقًا للغاية”.
وأضاف بيندر: “اليوم، أصبح من الواضح، كما كان يجب أن يكون دائمًا، أن تقديم المساعدة الإنسانية المنقذة للحياة هو واجب وليس جريمة”. وأوضح أنه أمضى معظم وقته في “نوبات المراقبة”، حيث كان يراقب السواحل التركية بحثًا عن قوارب المهاجرين، ويتواصل مع خفر السواحل اليوناني.
يُذكر أن بيندر وسارة مارديني، التي اشتهرت بقصتها الملهمة عن السباحة عبر البحر الأبيض المتوسط، قد تمت تبرئتهما سابقًا من تهم تتعلق بالتزوير والتنصت غير القانوني والتجسس. وفي العام الماضي، أُسقطت التهم الموجهة إلى 16 متهمًا آخر.
انتقادات متزايدة لقوانين الهجرة الأوروبية
أعربت المنظمات الإنسانية عن قلقها من أن هذه المحاكمة وغيرها قد أعاقت عمل فرق الإغاثة في جزر بحر إيجة، مما أدى إلى تراجع كبير في العمليات الإنسانية. كما اعتبرت أن هذه القضية تعكس اتجاهًا أوسع في أوروبا نحو تجريم مساعدة المهاجرين وطالبي اللجوء.
تشير بيانات منظمة PICUM إلى أنه تم اتخاذ إجراءات قضائية مماثلة ضد حوالي 124 شخصًا في أوروبا خلال عام 2024. ودعت إيف جيدي، مديرة مكتب المؤسسات الأوروبية الدولية في منظمة العفو الدولية، الاتحاد الأوروبي إلى “تقديم ضمانات أقوى ضد تجريم المساعدة الإنسانية بموجب قوانين الاتحاد الأوروبي”.
تُظهر الأرقام الرسمية أن سياسات الهجرة في أوروبا قد أصبحت أكثر صرامة في السنوات الأخيرة، مع تبني قادة الاتحاد الأوروبي مواقف أكثر تشددًا ومحاولات جديدة للحد من تدفق المهاجرين. وفي اليونان، شهدت أعداد المهاجرين القادمين عبر البحر ارتفاعًا ملحوظًا، حيث وصل أكثر من 1000 مهاجر إلى جزيرتي كريت وجافدوس في الأشهر الأخيرة، معظمهم من شمال أفريقيا.
حتى نهاية أكتوبر 2025، سجلت اليونان 39,495 حالة عبور غير شرعي، بانخفاض قدره 18% مقارنة بـ 48,415 حالة في نفس الفترة من عام 2024. من المتوقع أن تستمر السلطات اليونانية في تطبيق سياسات صارمة لمكافحة الهجرة غير الشرعية، وهو ما قد يؤثر على عمل المنظمات الإنسانية في المستقبل. وستراقب المنظمات الحقوقية عن كثب التطورات المتعلقة بقوانين الهجرة في أوروبا، وتأثيرها على حقوق المهاجرين وطالبي اللجوء.













