يقف سؤال مدى التزام الأفلام المأخوذة عن الروايات بالنص الأصلي كحجر عثرة دائم في النقاشات السينمائية. هذا السؤال، الذي يثير جدلاً واسعاً بين النقاد والجمهور، يكشف عن سوء فهم عميق لطبيعة العلاقة بين الأدب والسينما، وكيف أن كل وسيط له لغته وأدواته الخاصة في سرد القصص. فهل يجب أن يكون الفيلم نسخة طبق الأصل من الرواية، أم أن له الحق في أن يكون عملاً مستقلاً بذاته؟
غالباً ما يشهد هذا النقاش تحولاً إلى مواجهة إعلامية بين الروائي والمخرج، خاصةً عندما يرى الروائي أن رؤية المخرج قد شوهت عمله. وقد شهد المشهد الثقافي العربي أمثلة بارزة على ذلك، مثل تحفظ نجيب محفوظ عن الأفلام المقتبسة من رواياته، واستياء صبري موسى من تحويل روايته “قاهر الزمن” إلى فيلم لا يمت للنص الأصلي بصلة. وفي الغرب، عبر أنتوني برجس وستيفن كينغ عن غضبهما من معالجة ستانلي كوبريك وروني سكوت لـ “البرتقالة الآلية” و “السطوع” على التوالي.
تحويل الرواية إلى فيلم: ليست ترجمة حرفية
يكمن سر هذا الصراع المتجدد في الاختلاف الجوهري بين لغة الرواية ولغة السينما. فالرواية تعتمد على الكلمات والتأملات الداخلية، بينما السينما تعتمد على الصورة والحركة والتجسيد. وبالتالي، فإن محاولة نقل الرواية إلى السينما بشكل حرفي غالباً ما تكون محكومة بالفشل، لأنها تتجاهل طبيعة الوسيط الجديد.
يرى الناقد السينمائي الفرنسي أندريه بازان أن “السينما ليست لغة يمكن ترجمتها حرفياً من الأدب”. ويضيف أن قيمة الاقتباس تكمن في “إعادة اكتشاف العمل عبر نظام جمالي مختلف”. وهذا يعني أن المخرج يجب أن يتعامل مع الرواية كمصدر إلهام، وليس كمادة خام يجب نسخها.
وتؤكد ليندا هيتشيون في كتابها “نظرية الاقتباس” أن “الاقتباس ليس استنساخاً، بل فعل تفسير وإعادة خلق”. وتشير إلى أن العمل الأصلي يعاد إلى الحياة ضمن شروط وسيط جديد وجمهور جديد. وهذا يتطلب من المخرج أن يكون مبدعاً وأن يضيف شيئاً جديداً إلى الرواية.
الخيانة الإبداعية كضرورة فنية
العديد من المخرجين يعتبرون الانحراف عن النص الأصلي أمراً ضرورياً لخلق عمل سينمائي ناجح. فستانلي كوبريك، على سبيل المثال، قال إن “أفضل طريقة لاقتباس كتاب هي قراءته ثم نسيانه”. وهذا يعني أن المخرج يجب أن يحرر نفسه من قيود النص الأصلي وأن يتبع رؤيته الخاصة.
في الفيلم العربي، غالباً ما تكون “الخيانة الإبداعية” ضرورية للتغلب على الرقابة والتعبير عن أفكار جريئة. ففي فيلم “الكيت كات” (1977)، قام المخرج داوود عبد السيد بتحويل رواية “مالك الحزين” لإبراهيم أصلان إلى عمل سينمائي مؤثر ينتقد الأوضاع الاجتماعية والسياسية في مصر.
كما أن المخرجين العرب غالباً ما يضيفون عناصر محلية إلى الروايات المقتبسة، مما يجعلها أكثر ارتباطاً بالواقع العربي. وهذا يساعد على زيادة جاذبية الفيلم للجمهور العربي.
السينما العربية والالتزام بالنص
تختلف درجة الالتزام بالنص الأصلي من مخرج إلى آخر. فبعض المخرجين يفضلون البقاء وفياً للرواية قدر الإمكان، بينما يفضل آخرون إجراء تغييرات كبيرة على القصة والشخصيات. ولكن في جميع الحالات، يجب أن يكون المخرج واعياً بأن السينما لغة مختلفة عن الأدب، وأن الفيلم يجب أن يكون عملاً مستقلاً بذاته.
السينما العربية، على وجه الخصوص، تواجه تحديات إضافية في اقتباس الروايات. فالرقابة والقيود المالية والسياسية غالباً ما تجبر المخرجين على إجراء تغييرات على النص الأصلي. ولكن في بعض الأحيان، يمكن أن تؤدي هذه التغييرات إلى خلق عمل سينمائي أكثر إبداعاً وتأثيراً.
الجدل حول مدى التزام الأفلام بالروايات سيستمر بلا شك. ولكن من المهم أن نتذكر أن السينما ليست مجرد وسيلة لترجمة الأدب، بل هي فن مستقل بذاته. وأن أفضل الأفلام المقتبسة هي تلك التي تجرؤ على أن تكون مختلفة ومبتكرة.
من المتوقع أن يستمر النقاش حول العلاقة بين الرواية والسينما، خاصةً مع تزايد عدد الأفلام المقتبسة من الروايات العربية والعالمية. وسيكون من المثير للاهتمام متابعة كيف يتعامل المخرجون مع هذا التحدي في المستقبل، وما هي الابتكارات التي سيقدمونها في هذا المجال. يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستتمكن السينما من تحقيق التوازن بين الوفاء للرواية والإبداع الفني؟












