جوبا – تشهد دولة جنوب السودان تصعيدًا عسكريًا مقلقًا يهدد بتقويض مسار السلام الهش، مع اشتباكات متزايدة بين القوات الحكومية وفصائل المعارضة المسلحة بقيادة رياك مشار. وتتزايد المخاوف من عودة البلاد إلى صراع واسع النطاق، خاصة مع استمرار الأزمة السياسية واقتراب موعد الانتخابات العامة المتنازع عليها. هذا التصعيد المسلح يأتي في وقت يعاني فيه جنوب السودان من أزمة اقتصادية حادة وتحديات إنسانية متفاقمة.
وتتركز الاشتباكات حاليًا في ولايتي جونقلي وشرق الاستوائية، حيث أعلنت فصائل المعارضة سيطرتها على مناطق استراتيجية، بما في ذلك منطقة فجوت بالقرب من مدينة بور. تعتبر هذه التطورات بمثابة تحدٍ مباشر للسيطرة الحكومية، وتثير تساؤلات حول قدرة الحكومة على الحفاظ على الأمن والاستقرار قبل الانتخابات.
التصعيد المسلح وتداعياته على السلام في جنوب السودان
بدأ التصعيد يتفاقم في الأسابيع الأخيرة، مدفوعًا بمجموعة من العوامل المتداخلة. تشمل هذه العوامل الخلافات السياسية العميقة بين الرئيس سلفاكير ونائبه رياك مشار، بالإضافة إلى تأخير تنفيذ اتفاق السلام الذي تم التوصل إليه عام 2018. كما أن احتجاز وملاحقة مشار قضائيًا أثار غضبًا واسعًا في صفوف المعارضة، وزاد من حدة التوتر.
الوضع الميداني المتدهور
أفادت مصادر أمنية بوقوع اشتباكات عنيفة في مقاطعة كوج بولاية الوحدة، أسفرت عن مقتل عدد من الجنود. وتشير التقارير إلى أن القوات الحكومية تعمل على تعزيز مواقعها في ولاية جونقلي، تحسبًا لهجوم محتمل من قبل قوات المعارضة. وقد أدت هذه الاشتباكات إلى نزوح آلاف المدنيين، الذين يعانون من نقص حاد في الغذاء والمياه والخدمات الصحية.
الأزمة الإنسانية المتفاقمة
حذرت منظمات إغاثية من أن الوضع الإنساني في جنوب السودان يتدهور بسرعة، وأن ملايين الأشخاص يحتاجون إلى المساعدة. وتواجه هذه المنظمات صعوبات كبيرة في الوصول إلى المحتاجين، بسبب استمرار العنف وانعدام الأمن. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 100 ألف شخص نزحوا قسريًا من ولاية جونقلي منذ أواخر ديسمبر الماضي، مما فاقم من حدة الأزمة الإنسانية.
اعتقالات المعارضة وتأثيرها على العملية السياسية
أثارت اعتقالات قيادات المعارضة، بما في ذلك رياك مشار، انتقادات واسعة من قبل المجتمع الدولي. ترى العديد من الجهات أن هذه الاعتقالات تمثل انتهاكًا لاتفاق السلام، وتقوض الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار في البلاد. وتعتبر المعارضة أن هذه الاعتقالات تهدف إلى إقصائها من العملية السياسية، ومنعها من المشاركة في الانتخابات العامة.
وفي هذا السياق، دعت مفوضية مراقبة وتقييم اتفاق السلام التابعة للاتحاد الأفريقي إلى التدخل الفوري، وإطلاق سراح المعتقلين. وحذرت المفوضية من أن استمرار احتجازهم قد يؤدي إلى انهيار اتفاق السلام، وعودة البلاد إلى الحرب الأهلية. كما طالبت بفتح حوار سياسي شامل، يهدف إلى حل الخلافات السياسية العميقة بين الأطراف المتنازعة.
مخاوف من الانتخابات وتأثيرها على الاستقرار
تصر الحكومة على المضي قدمًا في تنظيم الانتخابات العامة في نهاية العام الجاري، لكن هذا الطرح يواجه معارضة شديدة من قبل المعارضة. ترى المعارضة أن الانتخابات لن تكون حرة ونزيهة، في ظل استمرار العنف وانعدام الأمن، واحتجاز قياداتها. كما أن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، وتدهور الأوضاع الإنسانية، يثيران تساؤلات حول قدرة الحكومة على إجراء انتخابات ناجحة.
ويرى مراقبون أن الانتخابات قد تصبح شرارة جديدة لتصعيد الصراع، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سياسي شامل، يضمن مشاركة جميع الأطراف في العملية السياسية. ويؤكدون على أهمية تنفيذ اتفاق السلام بشكل كامل، ومعالجة الأسباب الجذرية للصراع، قبل إجراء أي انتخابات. الوضع في جنوب السودان يتطلب تدخلًا دوليًا عاجلًا، لإنقاذ البلاد من الانهيار.
من المتوقع أن يستمر التوتر في جنوب السودان خلال الأسابيع القادمة، مع استمرار الاشتباكات بين القوات الحكومية وقوات المعارضة. ويترقب المجتمع الدولي رد فعل الحكومة على دعوات إطلاق سراح المعتقلين، وموقفها من الحوار السياسي الشامل. يبقى مستقبل جنوب السودان معلقًا، ويتوقف على قدرة الأطراف المتنازعة على التوصل إلى حل سلمي للأزمة.













