شهد النظام الدولي خلال السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في طبيعة الصراعات وطرق إدارتها، حيث باتت الحروب طويلة الأمد والنزاعات معلقة بين التصعيد الكامل والتسويات المؤجلة. وقد برز الدور الأمريكي، خاصة في عهد دونالد ترامب، كنموذج صارخ لمفارقة القوة، حيث تمتلك الولايات المتحدة أدوات الضغط لكنها تعاني من صعوبة في تحقيق حلول دائمة للصراعات. هذا التحول في دور الولايات المتحدة في إدارة الصراع الدولي يثير تساؤلات حول مستقبل النظام الدولي وفاعلية القوى الكبرى في تحقيق الاستقرار.
تأثير السياسات الأمريكية على تعقيد الصراعات
جاء دونالد ترامب إلى السلطة واعدًا بخطاب واضح ضد “الحروب التي لا تنتهي”، ومتبنيًا سياسة خارجية تركز على المصالح المباشرة للولايات المتحدة. ومع ذلك، كشفت الأحداث اللاحقة عن نتيجة مختلفة؛ إذ اندلعت حرب كبرى بين روسيا وأوكرانيا، واستمرت النزاعات المزمنة في مناطق مختلفة من العالم، وظهرت بؤر توتر جديدة.
لا يكمن جوهر هذه المفارقة في التناقض بين الخطاب والفعل فحسب، بل في تحول أعمق طال وظيفة القوة الأمريكية ذاتها. فقد باتت الولايات المتحدة غير قادرة على تحديد أهداف طويلة الأمد، أو تقديم تصور متماسك للاستقرار، أو رسم نهاية واضحة للصراعات التي تتدخل فيها. وبدلاً من أن تكون القوة أداة للحسم أو تحقيق تسويات مستدامة، تحولت إلى وسيلة لإدارة التوتر وتأجيل الانهيار دون معالجة الجذور البنيوية للأزمات.
يتجلّى هذا التحول بوضوح في منطقة الشرق الأوسط، حيث ساهمت السياسات الأمريكية في تصعيد مستمر دون وجود مسار سياسي نهائي، سواء في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أو في التوتر مع إيران أو في تداعيات الحروب المفتوحة في دول المنطقة.
الانسحاب الأمريكي وتداعياته
شكل الانسحاب الأمريكي من اتفاقية نووية إيران، على سبيل المثال، نقطة تحول رئيسية في السياسة الخارجية الأمريكية. فقد أدى ذلك إلى زيادة التوتر في المنطقة، وتشجيع إيران على تطوير برنامجها النووي، وتفاقم الأزمات الإقليمية. هذا الانسحاب لم يكن نتيجة تحليل استراتيجي متكامل، بل يعكس رغبة في تقليص الالتزامات الأمريكية دون تقديم بديل واضح.
وبالمثل، أدى التشكيك في التحالفات التقليدية، وتبني سياسة “أمريكا أولاً”، إلى تقويض ثقة الحلفاء في القيادة الأمريكية. وبالتالي، بدأت دول مختلفة في البحث عن ترتيبات أمنية بديلة أو تعزيز استقلالها الاستراتيجي، مما زاد من تعقيد المشهد الدولي.
لم يقتصر تأثير هذه السياسات على منطقة الشرق الأوسط، بل امتد ليشمل مناطق أخرى من العالم، مثل أوروبا الشرقية وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. ففي كل هذه المناطق، ساهم تراجع الدور الأمريكي في تفاقم النزاعات القائمة وظهور تحديات جديدة.
التحول في دور الولايات المتحدة في النظام الدولي
هذا التحول لا يمثل مجرد تغيير في السياسة الخارجية، بل يعكس أزمة أعمق في القدرة الأمريكية على إنتاج رؤية استراتيجية متماسكة. لقد فقدت الولايات المتحدة قدرتها على تحديد أهداف واضحة طويلة الأمد، وتقديم سردية كونية تبرر دورها القيادي. وبدلاً من ذلك، أصبحت السياسة الخارجية الأمريكية متقلبة وغير متوقعة، تركز على المكاسب قصيرة الأمد بدلاً من الاستقرار طويل الأمد.
يُظهر تحليل السياسات المتبعة في عهد ترامب أن هناك نمطًا بنيويًا يتجسد في الانسحاب من دون تسوية، والضغط دون أفق، واستخدام القوة دون تحديد غايات سياسية واضحة المعالم. هذا النمط لم يؤد إلى إنهاء الحروب أو احتواء النزاعات، بل إلى تفاقمها وإطالة أمدها. مما أدى إلى تدهور الأمن العالمي و زيادة حالة عدم اليقين.
كلمة “الانسحاب” في سياق السياسة الخارجية أصبحت مرتبطة بتعقيد أكبر، حيث لا يمثل الانسحاب بالضرورة نهاية التدخل، بل مجرد تغيير في شكله. فبدلاً من القوات العسكرية التقليدية، قد تستخدم الولايات المتحدة أدوات أخرى، مثل العقوبات أو الدعم المالي أو التدخل السياسي، لمواصلة التأثير في الأحداث. لكن هذه الأدوات غالبًا ما تكون غير فعالة أو ذات آثار غير مقصودة، مما يزيد من تعقيد المشهد.
الآفاق المستقبلية
يشير الوضع الحالي إلى أن النظام الدولي يشهد تحولًا عميقًا، وأن الدور الأمريكي في هذا النظام يتغير بشكل جذري. قد لا تعود الولايات المتحدة إلى لعب دور القائد الوحيد في العالم، بل ستضطر إلى مشاركة هذا الدور مع قوى أخرى صاعدة.
في المستقبل القريب، من المتوقع أن تستمر التوترات الجيوسياسية في التصاعد، وأن تظل النزاعات المفتوحة تشكل تهديدًا للاستقرار العالمي. الأحداث المحيطة بالحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات في منطقة الشرق الأوسط، والنزاعات في أفريقيا، كلها عوامل تشير إلى أننا مقبلون على فترة طويلة من عدم اليقين والتحديات. تتطلب هذه المرحلة تعاونًا دوليًا وتعزيز الدبلوماسية و إيجاد حلول مستدامة للصراعات، و لكن مع الابتعاد عن الهيمنة و عن التدخلات التي لا تحقق أهدافًا استراتيجية واضحة.
المراقبة الدقيقة لتطورات العلاقة بين الولايات المتحدة و حلفائها، وردود فعل القوى الصاعدة على السياسات الأمريكية، ونجاح أو فشل الجهود الدبلوماسية لحل النزاعات القائمة، ستحدد شكل النظام الدولي في السنوات القادمة.













