أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن استضافة الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو في البيت الأبيض في شهر فبراير القادم، في تطور يمثل تحولاً ملحوظاً في العلاقة بين البلدين. يأتي هذا الإعلان بعد فترة من التوتر وتبادل الاتهامات، خاصة فيما يتعلق بمكافحة المخدرات، ويشير إلى محاولة لإعادة بناء قنوات التواصل الدبلوماسية. هذا التطور له تداعيات كبيرة على السياسة الإقليمية في أمريكا اللاتينية وعلى جهود مكافحة المخدرات، وهو ما يستدعي متابعة دقيقة.
الزيارة المقرر عقدها في الأسبوع الأول من فبراير تمثل فرصة لمناقشة القضايا العالقة بين واشنطن وبوغوتا، وعلى رأسها ملف إنتاج وتصدير الكوكايين. كان ترامب قد انتقد بشدة سياسات بيترو في هذا المجال، وهدد باتخاذ إجراءات أكثر صرامة، لكن يبدو أن المحادثات الهاتفية الأخيرة بينهما قد أدت إلى تغيير في النهج.
تطورات مفاجئة في العلاقات الأمريكية الكولومبية
التحول في موقف ترامب يعتبر مفاجئاً بالنظر إلى التصريحات السابقة التي أدلى بها، والتي اتسمت بالحدة والانتقاد اللاذع. ففي أكتوبر الماضي، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الرئيس بيترو، متهمة إياه بعدم التعاون الكافي في مكافحة المخدرات. كما أبدى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو استياءه الشديد من سياسات بيترو، واصفاً إياه بكلمات قاسية.
ومع ذلك، يبدو أن المحادثة الهاتفية التي جرت بين ترامب وبيترو يوم الأربعاء الماضي قد ساهمت في تهدئة التوتر. ووفقاً لبيان صادر عن البيت الأبيض، فقد أعرب ترامب عن تفاؤله بشأن مستقبل العلاقات بين البلدين، مؤكداً على أهمية التعاون في مجالات الأمن ومكافحة المخدرات.
خلفية التوتر بين البلدين
تعود جذور التوتر بين الولايات المتحدة وكولومبيا إلى سنوات طويلة، وتتعلق بشكل أساسي بملف المخدرات. تعتبر كولومبيا من أكبر منتجي الكوكايين في العالم، وتواجه الولايات المتحدة ضغوطاً كبيرة للحد من تدفق هذه المادة إلى أراضيها.
في السنوات الأخيرة، تبنت كولومبيا سياسات جديدة تهدف إلى معالجة الأسباب الجذرية لإنتاج المخدرات، مثل الفقر والبطالة. لكن هذه السياسات لم ترضِ الإدارة الأمريكية، التي دعت إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لمكافحة زراعة الكوكايين وتصديره. العلاقات الثنائية بين البلدين شهدت تدهوراً ملحوظاً نتيجة لهذه الخلافات.
السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة لطالما ركزت على مكافحة المخدرات، وغالباً ما استخدمت أدوات مثل المساعدات العسكرية والعقوبات الاقتصادية لتحقيق هذا الهدف. مكافحة المخدرات تعتبر أولوية قصوى بالنسبة للإدارة الأمريكية، التي ترى أن تدفق المخدرات يشكل تهديداً للأمن القومي.
في المقابل، يرى الرئيس بيترو أن التركيز على الجانب الأمني وحده غير كافٍ لمعالجة مشكلة المخدرات، وأن هناك حاجة إلى اتباع نهج شامل يتضمن معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع الناس إلى زراعة الكوكايين. كما يشدد على أهمية الحوار مع المزارعين وتقديم بدائل اقتصادية لهم.
التهديد السابق بالتدخل العسكري الأمريكي في كولومبيا، والذي أثاره ترامب، أثار قلقاً بالغاً في بوغوتا. واعتبر بيترو هذا التهديد بمثابة “إعلان حرب”، وحذر من أن أي تدخل عسكري أمريكي في كولومبيا سيكون له عواقب وخيمة على المنطقة بأسرها.
الآن، مع إعلان ترامب عن استضافة بيترو في البيت الأبيض، يبدو أن هناك فرصة لتخفيف التوتر وإعادة بناء الثقة بين البلدين. لكن نجاح هذه الزيارة يعتمد على قدرة الطرفين على إيجاد أرضية مشتركة لحل الخلافات القائمة، وعلى استعداد ترامب للاستماع إلى وجهة نظر بيترو بشأن ملف المخدرات.
من المتوقع أن تركز المحادثات بين ترامب وبيترو على وضع خطة عمل مشتركة لمكافحة المخدرات، تتضمن زيادة التعاون الأمني وتبادل المعلومات، بالإضافة إلى تقديم الدعم الاقتصادي والاجتماعي للمزارعين الكولومبيين.
يبقى أن نرى ما إذا كانت هذه الزيارة ستؤدي إلى تحسن حقيقي في العلاقات بين الولايات المتحدة وكولومبيا. هناك العديد من التحديات التي تواجه البلدين، بما في ذلك الخلافات حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى التوترات الإقليمية في أمريكا اللاتينية. المستقبل سيحدد ما إذا كان هذا التحول في الموقف يمثل بداية حقبة جديدة من التعاون أم مجرد هدنة مؤقتة.













