كشف كتاب حديث للباحثة الأمريكية هارييت مالينوفيتز عن آليات معقدة استخدمتها إسرائيل في علاقاتها العامة والدعاية لتشكيل الرأي العام العالمي، وتبرير سياساتها، وإخفاء الحقائق المتعلقة بالفلسطينيين. الكتاب، بعنوان “تسويق إسرائيل: الصهيونية، والدعاية، واستخدامات شبكة الدعاية الإسرائيلية (الهاسبارا)”، يتناول بكامل التفصيل كيف تم بناء سردية إسرائيلية متماسكة، وغالبًا ما تكون مبنية على معلومات مضللة، بهدف التأثير على التصورات الدولية حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ويشكل ذلك دراسة معمقة في فن الدعاية الإسرائيلية وتأثيرها.
كيف تم تسويق الصهيونية للعالم؟
منذ أواخر القرن التاسع عشر، سعت الحركة الصهيونية إلى الحصول على دعم دولي لمشروعها القومي. لم يقتصر الأمر على الضغط السياسي والدبلوماسية، بل امتد ليشمل جهودًا مكثفة في مجال الدعاية والإعلام. واستخدمت الحركة الصهيونية، ولا تزال، شبكة واسعة من العلاقات العامة، والمعروفة بـ “الهاسبارا”، للترويج لروايتها حول التاريخ والسياسة في المنطقة. ووفقًا لما ورد في الكتاب، اعتمدت هذه الشبكة على مجموعة من التكتيكات تشمل تشويه الحقائق، والتلاعب بالصور النمطية، وتقديم سرديات تعزز شرعية إسرائيل.
تركز جهود الدعاية الإسرائيلية بشكل خاص على الجمهور الغربي، وتسعى إلى تصوير إسرائيل على أنها دولة ديمقراطية محاصرة، تواجه تهديدات وجودية من جيرانها. ويتم التركيز أيضًا على الجوانب الإيجابية في إسرائيل، مثل التطور التكنولوجي، والابتكار، والحياة الثقافية، بينما يتم تجاهل أو التقليل من شأن القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان، والاحتلال، والمستوطنات. هذه الجهود، كما يوضح الكتاب، ليست مجرد رد فعل على الانتقادات، بل هي جزء لا يتجزأ من استراتيجية إسرائيلية طويلة الأمد، تهدف إلى الحفاظ على الدعم الغربي وتعزيز مصالحها.
“أرض بلا شعب”: بناء سردية تاريخية
أحد أبرز العناصر في الدعاية الإسرائيلية هو الادعاء بأن فلسطين كانت “أرضًا بلا شعب” قبل قيام دولة إسرائيل. يهدف هذا الادعاء إلى تبرير الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، والتأكيد على أن إسرائيل لم تطرد أي شخص من وطنه. لكن مالينوفيتز تفند هذه الرواية، وتوضح أن فلسطين كانت مأهولة بالسكان قبل عام 1948، وأن الفلسطينيين قد تعرضوا لعملية تشريد وتهجير قسري إثر قيام الدولة. وتشير إلى أن الكثير من الأدلة التاريخية تدحض الادعاء الإسرائيلي، وتثبت وجود مجتمعات فلسطينية مزدهرة في المنطقة.
تكتيكات التضليل الإعلامي
لا يقتصر التضليل الإعلامي الإسرائيلي على القضايا التاريخية، بل يمتد ليشمل الأحداث الجارية. ويستخدم الصهاينة أحيانًا تكتيكات “التضليل الأخضر” و”التضليل الوردي” لتغطية جرائمهم ومخالفاتهم. “التضليل الأخضر” يتضمن الترويج لمشاريع “تخضير” الصحراء و”تحسين” البيئة، في حين يتم تجاهل الأثر البيئي المدمر للاحتلال والمستوطنات. أما “التضليل الوردي” فيشير إلى استغلال قضايا حقوق المثليين والمتحولين جنسيًا في محاولة لتحسين صورة إسرائيل في الخارج، وإخفاء انتهاكاتها لحقوق الإنسان الأخرى.
التأثير على الرأي العام الغربي
يبين الكتاب أن الدعاية الإسرائيلية حققت نجاحًا كبيرًا في التأثير على الرأي العام الغربي. فالعديد من وسائل الإعلام الغربية، والمؤسسات الأكاديمية، والمنظمات غير الحكومية، تتلقى تمويلًا من مصادر إسرائيلية، أو أنها تخضع لضغوط سياسية، مما يؤثر على تغطيتها للقضية الفلسطينية. ويشير إلى أن هذه الضغوط قد تؤدي إلى تجاهل وجهات النظر الفلسطينية، أو إلى تقديمها بطريقة سلبية ومشوهة. بالإضافة إلى ذلك، تعتمد إسرائيل على شبكة واسعة من المؤيدين في الخارج، الذين يعملون على نشر روايتها في وسائل الإعلام، وفي الجامعات، وفي المؤتمرات.
يستخدم الكتاب مصطلح “السردية” لوصف الطريقة التي يتم بها تقديم الأحداث التاريخية والسياسية، وكيف أنها تشكل تصوراتنا عن الواقع. ويوضح أن السردية الإسرائيلية حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، هي سردية قوية ومتماسكة، وقد نجحت في اختراق الوعي الغربي، وتأطير النقاش حول القضية. وهذا يعني، حسب الكتاب، أن أي محاولة لفهم الصراع يجب أن تبدأ بتحليل نقدي للسرديات المتنافسة، وكشف التحيزات والأجندات الخفية التي تقف وراءها. وأحد المفاهيم الرئيسية والتي يركز عليها الكتاب هي بناء صورة وطنية و تأثيرها على السياسة الدولية.
تداعيات الكتاب والمستقبل
من المتوقع أن يثير الكتاب جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والسياسية والإعلامية، وأن يدفع إلى إعادة النظر في الطريقة التي يتم بها تغطية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في الغرب. ونظرًا لظهور الكتاب في وقت يزداد فيه الاهتمام بالقضية الفلسطينية، وتزايد الانتقادات الموجهة لإسرائيل، فمن المرجح أن يحظى الكتاب باهتمام كبير، وأن يصبح مرجعا أساسيا للباحثين والناشطين والمهتمين بالقضية. ويستمر الجدل حول أساليب الدعاية الإسرائيلية، ومن المتوقع أن يشهد هذا الجانب تزايدًا في التدقيق والتحليل في المستقبل القريب.













