بدأت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين جولة إقليمية هذا الأسبوع، تشمل الأردن وسوريا ولبنان، مع زيارة تاريخية لدمشق. تأتي هذه الزيارة في ظل دعم أوروبي متزايد لـ سوريا بعد تغيير السلطة وتولي حكومة انتقالية قيادة البلاد، وتهدف إلى بحث سبل تعزيز الاستقرار والتعاون الاقتصادي والسياسي. وتعتبر هذه الخطوة مؤشرًا قويًا على التحول في العلاقات بين أوروبا وسوريا، خاصة بعد رفع العقوبات الاقتصادية.
تأتي جولة فون دير لايين بعد عام تقريبًا من التغيير السياسي في سوريا، الذي أنهى عقودًا من الصراع والاضطرابات. وقد سبق هذه الزيارة لقاء بينها وبين رئيس المرحلة الانتقالية السورية أحمد الشرع في نيويورك خلال سبتمبر الماضي، حيث ناقشا التحديات والفرص المتاحة أمام سوريا الجديدة.
دعم الاتحاد الأوروبي لسوريا: آفاق جديدة بعد رفع العقوبات
في مايو الماضي، أعلن الاتحاد الأوروبي رسميًا عن إنهاء جميع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا. يمثل هذا القرار تحولًا كبيرًا في السياسة الأوروبية تجاه سوريا، وفتح الباب أمام استثمارات ومساعدات مالية جديدة. ووفقًا لبيانات المفوضية الأوروبية، فقد تم تخصيص ما يقرب من 2.5 مليار يورو لدعم الشعب السوري خلال العامين المقبلين.
تهدف هذه المساعدات إلى تلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة، بالإضافة إلى دعم جهود إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي والاجتماعي. وتشمل المشاريع المدعومة قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية، بالإضافة إلى برامج لدعم العودة الآمنة للاجئين والنازحين.
العودة الطوعية للاجئين والنازحين
تتوقع الأمم المتحدة عودة حوالي 1.5 مليون لاجئ سوري إلى بلادهم هذا العام، بالإضافة إلى إمكانية عودة مليوني نازح داخلي إلى مناطقهم الأصلية. ويعمل الاتحاد الأوروبي بشكل وثيق مع الدول المضيفة والمنظمات الدولية لتوفير الدعم اللازم لتسهيل هذه العودة الطوعية، وضمان حصول العائدين على فرص عمل ومسكن وخدمات أساسية.
الوضع الإنساني والتحديات الأمنية
على الرغم من التقدم المحرز، لا يزال الوضع الإنساني في سوريا هشًا. وتواجه الحكومة الجديدة تحديات كبيرة في توفير الأمن والاستقرار، وحماية حقوق الأقليات، وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين. وقد أعربت منظمات حقوقية عن قلقها بشأن حوادث عنف استهدفت العلويين في محافظات ساحلية خلال الشهر الماضي.
شددت فون دير لايين خلال مؤتمر بروكسل على أهمية محاسبة المسؤولين عن تلك الجرائم، وحماية الأقليات، وتشكيل حكومة شاملة تمثل جميع المكونات السورية. وأكدت أن الاتحاد الأوروبي سيراقب عن كثب التطورات في سوريا، وسيقدم الدعم بناءً على التقدم المحرز في هذه المجالات.
مؤشرات إيجابية وخطوات مستقبلية نحو الاستقرار
وصفت فون دير لايين الوضع في سوريا بأنه “تحول تاريخي”، مشيدة بالخطوات التي اتخذتها السلطات الجديدة منذ توليها السلطة. وأشارت إلى أن هناك “بذور أمل” بدأت في النمو، وأن أحلام وتطلعات الشعب السوري لم تعد معلقة. وتعتبر الزيارة نفسها رسالة إيجابية، تعكس رغبة أوروبا في إعادة بناء علاقاتها مع سوريا.
تأتي هذه التطورات في سياق جهود دولية أوسع نطاقًا لتحقيق الاستقرار في المنطقة، ودعم عملية الانتقال السياسي في سوريا. كما تتزامن مع مبادرات إقليمية تهدف إلى إعادة سوريا إلى الجامعة العربية، وتعزيز دورها في المنطقة. و تعتبر القضية الفلسطينية من القضايا الرئيسية التي تم مناقشتها بقوة خلال الزيارة.
التعاون الاقتصادي ومستقبل الاستثمار
يتوقع خبراء الاقتصاد أن تشهد سوريا تدفقًا للاستثمارات الأوروبية في الأشهر والسنوات القادمة، خاصة في قطاعات البناء والطاقة والزراعة. ويأمل الاتحاد الأوروبي أن تساهم هذه الاستثمارات في خلق فرص عمل جديدة، وتحسين مستوى معيشة المواطنين السوريين. إلى جانب ذلك، سيعزز التعاون الاقتصادي من الإنتاج المحلي ويدعم إعادة إعمار البنية التحتية المتضررة جراء سنوات الحرب.
من المتوقع أن تستمر المحادثات بين الاتحاد الأوروبي والحكومة السورية حول آليات توزيع المساعدات، ووضع خطط طويلة الأجل لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة. وسيكون من المهم مراقبة مدى التزام الحكومة السورية بتنفيذ الإصلاحات السياسية والاقتصادية اللازمة، وضمان حماية حقوق الإنسان، وتعزيز سيادة القانون. وستراقب الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي عن كثب الوضع الأمني والإنساني في سوريا، وستكونان مستعدتين لتقديم المساعدة الإضافية إذا لزم الأمر. وتبقى عودة الحياة الطبيعية إلى سوريا هدفًا بعيد المنال يتطلب صبرًا وعزيمة، وجهودًا مشتركة من جميع الأطراف المعنية. تبقى المتابعة الدقيقة للتطورات على الأرض، والتواصل المستمر مع الحكومة السورية، أمرًا بالغ الأهمية لضمان نجاح هذه الجهود.













