في شمال غرب المملكة العربية السعودية، تقع حقول “الحرّة” البركانية، ومن أبرزها حرّة لونير في محافظة العيص التابعة لمنطقة المدينة المنورة. تُعدّ مراقبة هذه المناطق ذات الأهمية البالغة نظرًا لتاريخها النشط، وتُظهر دراسة حديثة كيف يمكن استخدام أدوات متطورة لرصد النشاط البركاني وتقييم المخاطر المحتملة.
في ربيع عام 2009، شهدت حرّة لونير سربًا زلزاليًا كبيرًا تجاوز 30 ألف هزة أرضية، مصحوبًا بتشوّه في سطح الأرض وعمليات إجلاء للسكان. أشارت التقارير العلمية إلى أن هذا النشاط ناتج عن تحرك الصهارة تحت الأرض، وهو ما يبرز الحاجة إلى أنظمة رصد فعالة.
أدوات حديثة لرصد النشاط البركاني
تُعدّ مراقبة المناطق البركانية ميدانيًا أمرًا صعبًا بسبب اتساعها وتضاريسها الوعرة، بالإضافة إلى الحاجة إلى شبكة كثيفة من أجهزة الرصد. استخدمت دراسة حديثة نشرت في دورية “إنفيرونمنتال إيرث ساينسز” نهجًا مبتكرًا يعتمد على المراقبة عن بعد من خلال دمج بيانات من الأقمار الصناعية بدلًا من الاعتماد على القياسات الأرضية فقط.
تكمن الفكرة في الجمع بين نوعين من القياسات. الأول هو دراسة تشوّه سطح الأرض باستخدام تقنية الرادار التداخلي (InSAR)، والتي تقيس التغيرات الدقيقة في ارتفاع وإزاحة الأرض بمرور الوقت. يعتمد هذا القياس على فرضية أن حركة الصهارة تحت سطح الأرض قد تتسبب في ارتفاع أو تمدد قشرة الأرض.
أما النوع الثاني من القياسات فيتعلق بتغيّر الجاذبية الأرضية، وذلك باستخدام أقمار “جريس” (GRACE) الصناعية. تقوم هذه الأقمار بقياس التغيرات الطفيفة في مجال الجاذبية التي قد تحدث بسبب تحركات الكتلة الكبيرة تحت سطح الأرض، مثل تدفق المياه أو ذوبان الجليد، وفي بعض الحالات حركة الصهارة.
تفسير البيانات وتقييم المخاطر
تشير الدراسة إلى أن مراقبة جريان أو تدفق الصهارة يتطلب تتبع التغيرات في كل من تشوه السطح والجاذبية الأرضية. بمعزل عن بعضها البعض، قد تكون هذه الإشارات غير حاسمة، ولكن اجتماعها الزماني والمكاني يزيد من احتمالية وجود نشاط بركاني مرتبط.
بعد تحليل البيانات، رصد الباحثون في حرّة لونير ثلاثة علامات متزامنة: تغيّر سريع في تشوهات الجاذبية، وقفزة في النشاط الزلزالي، وتجمّع بؤر الزلازل الضحلة على أعماق أقل من 10 كيلومترات. مثل هذه التجمعات الزلزالية قد تشير إلى حركة الصهارة أو تفاعلها مع الإجهادات التكتونية.
ماذا وجدت الدراسة في حرّة لونير؟
أكدت الدراسة أن هذه المجموعة من الإشارات، رغم أنها لا تضمن حدوث ثوران بركاني، تشير إلى أن المنطقة لا تزال نشطة جيولوجيًا. قد يعيد هذا النوع من النشاط الظهور خلال السنوات أو العقود القادمة. تشير النتائج أيضًا إلى أهمية مراقبة المناطق التي شهدت نشاطًا زلزاليًا وبركانيًا سابقًا بشكل مستمر.
بالإضافة إلى ذلك، يوضح الباحثون أن هذا النهج المعتمد على دمج بيانات الأقمار الصناعية يمكن أن يكون فعالًا في مراقبة مناطق بركانية واسعة أو نائية حول العالم، حيث قد تكون المراقبة الأرضية محدودة أو مكلفة. تعتبر هذه الطريقة بمثابة أداة إضافية لدعم الرصد الزلزالي التقليدي.
من الجدير بالذكر أن وكالة الفضاء والطيران الأمريكية (ناسا) أوضحت دور أقمار جريس في تقديم قياسات دقيقة لمجال الجاذبية ومساعدة العلماء في تتبع التغيرات في كتل المياه والثلوج والمحيطات.
الخطوة التالية المتوقعة هي تطوير نماذج أكثر تفصيلاً لتقييم المخاطر البركانية في المنطقة، بالاعتماد على البيانات المستمرة من الأقمار الصناعية والمحطات الأرضية. من المهم ملاحظة أن التنبؤ بالثورانات البركانية يظل تحديًا علميًا، ويتطلب فهمًا شاملاً للعوامل الجيولوجية والفيزيائية المعقدة التي تؤثر عليها. سيكون من الضروري مواصلة المراقبة والبحث لتقليل حالة عدم اليقين وتحسين الاستعداد للنشاط البركاني المحتمل في حرّة لونير والمناطق المماثلة حول العالم.













