كشف تقرير رسمي صادر عن محكمة المحاسبات التونسية عن خسائر مالية كبيرة في عدد من المؤسسات والشركات العمومية، تجاوزت قيمتها الإجمالية مليار دينار تونسي. وتأتي هذه النتائج في وقت تواجه فيه تونس أزمة مالية حادة، مما يثير تساؤلات حول إدارة الموارد العامة وضرورة إجراء إصلاحات هيكلية. يشير التقرير إلى وجود هدر في المال العام وتجاوزات في الصرف، مما يعمق من التحديات الاقتصادية التي تعاني منها البلاد.
وتصدرت شركة الخطوط الجوية التونسية قائمة المؤسسات الخاسرة بقيمة 316 مليون دينار، تليها ديوان البحرية التجارية والموانئ بخسائر بلغت 291 مليون دينار. وتتعلق هذه الخسائر بشكل رئيسي بصرف أجور ومنح وتعويضات غير مستحقة، بالإضافة إلى ضعف الرقابة والمتابعة المالية والإدارية، وفقًا لما ورد في التقرير.
الأزمة المالية الحادة وتداعياتها على الاقتصاد التونسي
تأتي هذه الخسائر في سياق أزمة مالية حادة تعيشها تونس منذ سنوات، وتفاقمت بسبب جائحة كوفيد-19 والوضع الاقتصادي العالمي. وتواجه الحكومة صعوبات متزايدة في تمويل الموازنة العامة وسداد الديون الخارجية، مما أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم والبطالة.
وبحسب بيانات وزارة المالية، يبلغ عجز الميزانية التونسية حوالي 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين أن الدين العام يتجاوز 80% من الناتج المحلي الإجمالي. وقد اضطرت الحكومة إلى اتخاذ إجراءات تقشفية، مثل تجميد التوظيف وزيادة أسعار المحروقات، بهدف خفض الإنفاق العام وتحسين المالية العمومية.
أسباب تفاقم الخسائر في المؤسسات العمومية
يرجع تقرير محكمة المحاسبات هذه الخسائر إلى عدة عوامل، من بينها غياب الحوكمة الرشيدة، وضعف الرقابة الداخلية والخارجية، وتداخل الصلاحيات والمسؤوليات، بالإضافة إلى المحسوبية والفساد. كما يشير التقرير إلى أن بعض المؤسسات العمومية تعاني من سوء الإدارة وتراكم الديون، وعدم القدرة على التكيف مع التغيرات الاقتصادية.
بالإضافة إلى ذلك، ساهمت بعض السياسات الحكومية في تفاقم الخسائر، مثل دعم أسعار بعض المنتجات والخدمات، وتوظيف عدد كبير من العمال في القطاع العمومي دون الحاجة إليهم. وتؤثر هذه الخسائر سلبًا على قدرة الحكومة على الاستثمار في القطاعات الحيوية، مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية.
من جهته، اعتبر الرئيس التونسي قيس سعيد أن هذه الأرقام تعكس “حجم الخراب والتخريب المنهجي الذي عاشته البلاد”، مشددًا على ضرورة اتخاذ إجراءات قانونية صارمة ضد المتورطين في الفساد واسترداد الأموال العامة. وأكد الرئيس على حق الشعب التونسي في المساءلة والمحاسبة، وضرورة تحقيق العدالة والشفافية في إدارة الموارد العامة.
وتشير التقديرات إلى أن الحكومة ستلجأ إلى الاقتراض من الداخل بقيمة 19.1 مليار دينار لتغطية العجز المالي، بالإضافة إلى الاقتراض الخارجي بقيمة 6.8 مليار دينار. ويُقدّر حجم موازنة 2026 بنحو 79.6 مليار دينار، في حين تصل أعباء خدمة الدين إلى حوالي 23 مليار دينار، أي بنسبة 26% من الموازنة. هذه الأرقام تعكس الضغوط المالية الكبيرة التي تواجهها تونس، وتحد من قدرتها على تحقيق التنمية المستدامة.
وتعتبر الإصلاحات الهيكلية في القطاع العمومي ضرورية لتحسين أدائه وتقليل الخسائر. وتشمل هذه الإصلاحات إعادة هيكلة المؤسسات العمومية، وتحسين الحوكمة الرشيدة، وتعزيز الرقابة الداخلية والخارجية، ومكافحة الفساد، بالإضافة إلى تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. وتشمل التحديات الاقتصادية أيضًا ارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب، وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين.
من المتوقع أن تستمر الحكومة التونسية في جهودها لتعبئة الموارد المالية وتقليل الإنفاق العام، بالإضافة إلى البحث عن مصادر تمويل جديدة. وتعتبر المفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد خطوة حاسمة في هذا الاتجاه، ولكنها تواجه صعوبات بسبب الشروط التي يفرضها الصندوق. وستراقب الأسواق المالية والمؤسسات الدولية عن كثب التطورات الاقتصادية في تونس، وتقييم قدرتها على تجاوز هذه الأزمة المالية.
في الختام، يمثل تقرير محكمة المحاسبات جرس إنذار بشأن الوضع المالي للمؤسسات العمومية في تونس. ويتطلب معالجة هذه المشاكل اتخاذ إجراءات عاجلة وشاملة، بما في ذلك الإصلاحات الهيكلية ومكافحة الفساد وتحسين الحوكمة الرشيدة. وستحتاج الحكومة إلى إيجاد توازن دقيق بين تحقيق الاستقرار المالي وتلبية احتياجات المواطنين، وهو تحد كبير في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد. من المنتظر أن تعلن الحكومة عن خطة عمل تفصيلية لمعالجة هذه الخسائر خلال الشهر القادم، مع التركيز على الشفافية والمساءلة.












