رأى محللون سياسيون أن أوروبا تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على نفوذها الجيوسياسي في ظل التغيرات العالمية المتسارعة، وتزايد تركيز الولايات المتحدة على أولوياتها الداخلية. وتأتي هذه التقييمات بعد تعليقات أدلى بها السياسي والدبلوماسي البريطاني السابق بيتر ماندلسون، وانتقاداته لما وصفه بردود فعل “هستيرية” من جانب القادة الأوروبيين تجاه بعض الإجراءات الأميركية، بما في ذلك ملف غرينلاند.
وأشار ماندلسون في مقال له إلى أن أوروبا تفتقر إلى “القوة الصلبة والمال الصلب” اللازمين لضمان تأثيرها في النظام الدولي، الأمر الذي يثير تساؤلات حول قدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية. وقد أثارت تصريحاته جدلاً واسعاً حول مستقبل الدور الأوروبي في العالم.
تراجع النفوذ الأوروبي وتحديات السيادة
يرى خبراء في الشؤون الدولية أن تصاعد النزعة القومية في بعض الدول الأوروبية يعيق قدرتها على تقديم جبهة موحدة في مواجهة التحديات الخارجية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الخلافات الداخلية حول قضايا رئيسية مثل الدفاع والطاقة والهجرة تلعب دوراً في إضعاف مكانة أوروبا على الساحة العالمية.
وفيما يتعلق بملف غرينلاند، أكد ماندلسون أن الجدل الأوروبي حول “السيادة” يغفل عن واقع التواجد الأميركي القوي في المنطقة. وأضاف أن الولايات المتحدة يمكنها بسهولة تعزيز نفوذها في القطب الشمالي من خلال التعاون مع دول أخرى مثل الدنمارك، مما يضع أوروبا أمام أمر واقع.
ملف غرينلاند: انعكاس للعجز الأوروبي
الجدل الدائر حول محاولة الولايات المتحدة المزعومة للاستحواذ على غرينلاند، سلط الضوء على التحديات التي تواجهها أوروبا في حماية مصالحها في المناطق الاستراتيجية. ووفقًا لتقارير إخبارية، فإن إدارة ترامب كانت قد استكشفت إمكانية شراء غرينلاند، وهو الأمر الذي أثار استياءً واسعاً في الدنمارك وأوروبا.
ومع ذلك، يرى ماندلسون أن ردود الفعل الأوروبية كانت مبالغًا فيها، وأنها كشفت عن عجز جيوسياسي متزايد. وأشار إلى أن الولايات المتحدة لديها بالفعل قواعد عسكرية في المنطقة، وأنها يمكنها ممارسة نفوذها من خلال وسائل أخرى غير “الغزو”.
انتقادات للنهج الدبلوماسي التقليدي
يشير مراقبون إلى أن ماندلسون يوجه انتقادًا غير مباشر للنهج الدبلوماسي الذي يتبعه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والذي يسعى إلى التوازن بين الحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة والتمسك بالقيم الأوروبية التقليدية. فقد أصدر ستارمر بيانًا يدعو إلى احترام السيادة الدنماركية على غرينلاند، ولكنه تجنب انتقاد ترامب بشكل مباشر.
في المقابل، يرى ماندلسون أن الدبلوماسية التقليدية لم تعد كافية للتعامل مع التحديات الجديدة. وأشاد بالأسلوب الحاسم الذي اتبعه ترامب في التعامل مع بعض الملفات، مثل القبض على الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، معتبراً أنه حقق نتائج سريعة لم تتمكن الدبلوماسية التقليدية من تحقيقها.
أهمية القوة الصلبة والمال الصلب
يُركز ماندلسون على ضرورة أن تمتلك أوروبا أدوات النفوذ الفعلي، من خلال تعزيز قدراتها العسكرية وزيادة إنفاقها الدفاعي. ووفقًا لتقرير صادر عن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإن العديد من الدول الأوروبية لا تزال بعيدة عن تحقيق هدف الإنفاق الدفاعي بنسبة 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي.
بالإضافة إلى ذلك، يدعو ماندلسون إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والمالي بين الدول الأوروبية، بهدف خلق قوة اقتصادية قادرة على المنافسة مع الولايات المتحدة والصين. ويحذر من أن الاعتماد الأوروبي المستمر على المظلة الأمنية الأميركية، دون تحمل مسؤوليات حقيقية، سيؤدي إلى تفاقم الفجوة بين الخطاب السياسي والقدرة الفعلية على التأثير.
تغيرات في موازين القوى العالمية
تأتي تصريحات ماندلسون في سياق تحولات عميقة تشهدها موازين القوى العالمية، حيث تبرز الصين كقوة عظمى منافسة للولايات المتحدة. ويشير المحللون إلى أن الحرب في أوكرانيا تعكس هذه التحولات، حيث تحظى روسيا بدعم دبلوماسي صيني وتقني إيراني. وتنصح بعض المراكز البحثية بضرورة إعادة تقييم السياسات الأوروبية في ضوء هذه التغيرات.
من المتوقع أن يستمر الجدل حول مستقبل الدور الأوروبي في العالم خلال الأشهر المقبلة، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية. ويرى خبراء أن نتيجة هذه الانتخابات سيكون لها تأثير كبير على العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة، وعلى قدرة أوروبا على الحفاظ على نفوذها الجيوسياسي. من الضروري مراقبة التطورات في هذا الملف، وتحليل مواقف القادة الأوروبيين والسياسيين المؤثرين.













