أعلن رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، أمس الأربعاء، عن عودة الحكومة السودانية رسميًا إلى العاصمة الخرطوم بعد قرابة ثلاث سنوات من العمل المؤقت من بورتسودان. يمثل هذا الحدث خطوة مهمة نحو استعادة الاستقرار والعمل المؤسسي في السودان، الذي تأثر بشدة بالصراع الدائر. وتهدف الحكومة من خلال هذه العودة إلى الشروع في خطط شاملة لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية.
جاء الإعلان خلال كلمة ألقاها إدريس أمام حشد من المواطنين في الخرطوم، حيث أكد على أن أولويات الحكومة ستركز على تعزيز النمو الاقتصادي، وخفض معدلات التضخم المرتفعة، وتحسين قيمة الجنيه السوداني. وتعتبر عودة الحكومة إلى الخرطوم جزءًا من جهود أوسع لإعادة الحياة الطبيعية إلى العاصمة والبدء في إصلاح مؤسسات الدولة المتضررة.
عودة الحكومة إلى الخرطوم: خطوات إعادة الإعمار والتنمية
تأتي هذه الخطوة بعد أشهر من التخطيط التدريجي لإعادة المؤسسات الحكومية، بالتزامن مع تحسن نسبي في الأوضاع الأمنية في بعض مناطق الخرطوم وولايات السودان الأخرى. ومع ذلك، يؤكد مراقبون أن التحديات الأمنية والإنسانية لا تزال قائمة في مناطق واسعة من البلاد، مما يستدعي الحذر والتخطيط الدقيق.
الخلفية والأسباب
اضطرت الحكومة السودانية إلى الانتقال إلى بورتسودان في أبريل 2023، عقب اندلاع اشتباكات عنيفة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في الخرطوم ومناطق أخرى. أدت هذه الاشتباكات إلى دمار واسع النطاق في البنية التحتية وتعطيل الخدمات الأساسية، مما جعل من الصعب على الحكومة أداء مهامها من العاصمة.
على الرغم من استمرار القتال في مناطق مختلفة من السودان، فقد شهدت الخرطوم خلال الأسابيع الأخيرة بعض التحسن الأمني، مما سمح لبعض الموظفين الحكوميين والمدنيين بالعودة إلى منازلهم ومكاتبهم. ووفقًا لتقارير إعلامية، عززت القوات المسلحة السيطرة على مداخل المدينة، مما ساهم في خلق بيئة أكثر أمانًا.
خطط الحكومة الاقتصادية
أشار رئيس الوزراء إدريس في كلمته إلى أن الحكومة تعتزم تنفيذ سلسلة من الإجراءات الاقتصادية الطموحة بهدف تحسين الوضع المعيشي للمواطنين. تشمل هذه الإجراءات زيادة الإنتاج المحلي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتنويع مصادر الدخل الوطني. بالإضافة إلى ذلك، تهدف الحكومة إلى معالجة أزمة السيولة النقدية التي تعاني منها البلاد.
من بين الإجراءات المقترحة، خفض الإنفاق الحكومي غير الضروري، وزيادة الإيرادات من خلال تحسين تحصيل الضرائب، ومكافحة الفساد. ويُتوقع أن تتطلب هذه الإجراءات دعمًا من المجتمع الدولي والمؤسسات المالية الإقليمية. وصرح وزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، في وقت سابق بأن الحكومة تعمل على صياغة برنامج اقتصادي إصلاحي شامل بالتعاون مع صندوق النقد الدولي. الوضع الاقتصادي لا يزال هشًا، ويحتاج إلى معالجة عاجلة.
التحديات الأمنية والإنسانية
على الرغم من عودة الحكومة إلى الخرطوم، لا تزال التحديات كبيرة. يستمر القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع في ولايات أخرى مثل دارفور وكردفان، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية ونزوح الملايين من الأشخاص. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 8 ملايين شخص نزحوا بسبب الصراع، وأن هناك نقصًا حادًا في الغذاء والدواء والماء.
الأزمة الإنسانية في السودان تتطلب استجابة دولية عاجلة، حيث يواجه المدنيون صعوبات جمة في الحصول على المساعدات الأساسية. تعمل المنظمات الإنسانية المحلية والدولية على تقديم المساعدة للمتضررين، ولكن جهودها تعيقها القيود الأمنية واللوجستية. كما تعاني البلاد من ارتفاع معدلات الجريمة وانتشار الأسلحة، مما يزيد من حالة عدم الاستقرار.
تعيق الاستقرار الأمني الجهود الرامية إلى إعادة إعمار البلاد، حيث يصعب تنفيذ المشاريع التنموية في المناطق التي تشهد قتالًا. وتعتمد الحكومة على وقف إطلاق النار وتقديم الدعم الإنساني للمتضررين كجزء أساسي من خططها المستقبلية.
يعتبر تحسين الأوضاع الأمنية والترتيبات السياسية ضرورية لنجاح عملية الانتقال الديمقراطي في السودان. ويرى مراقبون أن تحقيق السلام الدائم يتطلب حوارًا شاملاً بين جميع الأطراف السودانية، بما في ذلك الجيش وقوات الدعم السريع والحركات المسلحة الأخرى.
بالإضافة إلى ذلك، يجب على الحكومة معالجة الأسباب الجذرية للصراع، مثل التهميش الاقتصادي والسياسي، وغياب الحكم الرشيد. تتطلب هذه العملية وقتًا وجهدًا كبيرين، ولكنها ضرورية لبناء سودان مستقر ومزدهر.
من المتوقع أن تعقد الحكومة السودانية اجتماعًا خلال الأسبوع القادم لمناقشة الخطوات التالية المتعلقة بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحديد الأولويات العاجلة، ووضع خطة عمل تفصيلية. وستشمل هذه الخطة تخصيص الموارد اللازمة لإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، مثل التعليم والصحة والمياه، وتوفير فرص عمل للشباب. يبقى مستقبل السودان غير مؤكدًا، ويتوقف على قدرة الأطراف السودانية على التوصل إلى حلول سلمية للصراع، وبناء توافق وطني حول مستقبل البلاد.













