في قلب باريس، يستضيف متحف غيميه الوطني للفنون الآسيوية معرضًا استثنائيًا بعنوان “المانغا، فن في حد ذاته”، يلقي الضوء على تطور هذا الشكل الفني الياباني المعاصر وأهميته الثقافية العالمية. يستمر المعرض حتى 9 مارس/آذار، ويقدم نظرة شاملة على تاريخ المانغا، من جذورها في الصحافة الساخرة إلى مكانتها الحالية كظاهرة ثقافية بصرية مؤثرة. يهدف المعرض إلى إضفاء الشرعية الثقافية على هذا الشكل السردي الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من الثقافة البصرية المعاصرة.
لأول مرة، يخصص متحف غيميه ثلاثة طوابق كاملة لعرض فن المانغا، في محاولة جريئة للاعتراف بأهميته الفنية والثقافية. لا يقتصر المعرض على عرض الرسومات فحسب، بل يقدم تحليلاً لتطور المانغا من نشأتها التاريخية إلى أيقونة شعبية عالمية، وكيف أصبحت جسرًا يربط بين الثقافات المختلفة.
جذور المانغا: من التقاليد إلى العالمية
يبدأ المعرض باستعراض الجذور التاريخية لـالمانغا، متجاوزًا مفهوم القصص المصورة التقليدية للكشف عن أصولها في الصحافة الساخرة، والكتب المصورة، ومسرح الشارع الياباني التقليدي المعروف باسم “كاميشيباي”. هذه الأشكال التعبيرية مهدت الطريق لظهور المانغا كشكل سردي جماهيري في القرن العشرين.
ينتقل المعرض بعد ذلك إلى استكشاف النهضة المعاصرة لـالمانغا، مع التركيز على الشخصيات التي تركت بصمة عميقة في الثقافة اليابانية والعالمية. يشمل ذلك أعمال رواد مثل أوسامو تيزوكا، بالإضافة إلى الأعمال التي جذبت ملايين القراء حول العالم.
الرسم الياباني التقليدي وتأثيره
أشارت إستيل باور، أمينة المجموعات اليابانية في متحف غيميه، إلى التقاليد العريقة للسرد البصري في اليابان التي تعود إلى قرون مضت. وأوضحت أن هناك قاعة مخصصة للفنان كاوانابي كيوساي، الذي أنتج آلاف اللوحات والمطبوعات، وكان مراقبًا ونقدًا للتحولات التي شهدتها اليابان مع انفتاحها على الغرب في القرن التاسع عشر.
يعرض المعرض أيضًا سلسلة من أعمال الفنان كاتسوشيكا هوكوساي، بما في ذلك لوحته الشهيرة “الموجة العظيمة قبالة كاناغاوا”. يتميز هوكوساي بأسلوبه الفريد في استخدام الألوان، وهو أسلوب يندرج ضمن التقاليد العريقة للرسم بالحبر في شرق آسيا. هذه الأعمال تظهر التأثير العميق للرسم التقليدي على تطور المانغا.
المانغا كهدايا دبلوماسية ورمز ثقافي
يبرز المعرض العلاقة الوثيقة بين التقاليد العريقة للقصص والرسم الياباني، والمانغا التي نعرفها اليوم. كمثال على ذلك، يعرض المعرض كرة التنين الأصلية “دراغون بول”، التي أهداها الشوغون إلى نابليون الثالث، مما يجعلها هدية دبلوماسية ذات قيمة تاريخية.
أوضح ديدييه باسامونيك، منسق المعرض والمتخصص في القصص المصورة، أن “دراغون بول” مستوحاة من شخصية قديمة، وهي ملك القرود الذي يظهر في قصة “رحلة إلى الغرب”، وهي قصة صينية الأصل تبناها اليابانيون. وقد تمكن الفنان أكيرا تورياما من إعادة استخدام هذه الشخصية في عمله الشهير بين عامي 1984 و1995.
“زهرة فرساي” والتبادل الثقافي
يخصص المعرض أيضًا قاعة لـ “زهرة فرساي” أو “ليدي أوسكار”، وهي سلسلة مانغا يابانية تدور أحداثها في فرنسا خلال الثورة الفرنسية. يعرض المتحف، جنبًا إلى جنب مع هذه السلسلة، مقتنيات شخصية وقطعًا يابانية خاصة لماري أنطوانيت، مما يسلط الضوء على التبادل الثقافي بين اليابان وفرنسا.
كما يعرض المعرض قصصًا مصورة أمريكية مستوحاة من الأساطير الإسكندنافية واليونانية والرومانية القديمة، مما يؤكد على الارتباط بين التاريخ والرواية التي نرويها اليوم. يظهر هذا التنوع كيف أصبحت المانغا بوتقة تنصهر فيها ثقافات العالم.
يستكشف المعرض أيضًا دور أوسامو تيزوكا، الذي يلقبه اليابانيون بـ “إله المانغا“، في تأسيس الرسوم المتحركة اليابانية الحديثة. أنتج تيزوكا أكثر من 150 ألف صفحة من القصص المصورة، وأنشأ شخصيات مثل “أسترو بوي” التي لا تزال تحظى بشعبية كبيرة حتى اليوم.
من المتوقع أن يستمر متحف غيميه في استضافة المعارض التي تسلط الضوء على الفنون الآسيوية المعاصرة. سيتم تقييم تأثير المعرض على الجمهور وتلقي ردود الفعل لتحديد الخطوات المستقبلية في دعم وتعزيز فن المانغا والثقافة اليابانية بشكل عام. من المرجح أن يشهد المتحف زيادة في عدد الزوار المهتمين بالثقافة اليابانية بعد هذا المعرض الناجح.













