نابلس- صُدم الفلسطينيون برحيل الباحث والكاتب حمزة ديرية العقرباوي (41 عامًا) في نهاية عام 2025، وهو ما شكّل خسارة كبيرة للذاكرة الثقافية الفلسطينية. عُثر على العقرباوي متوفياً في نهر النيل بمصر خلال زيارته الأخيرة، تاركاً وراءه إرثاً غنياً في توثيق التراث الشعبي الفلسطيني، ومثيراً تساؤلات حول مستقبل هذا التوثيق في ظل غيابه.
الخبر انتشر بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث عبّر الفلسطينيون عن حزنهم العميق لفقدان شخص وصفوه بـ “حارس الذاكرة” و “صوت فلسطين الأصيل”. توالت المنشورات التي تستحضر مسيرة العقرباوي وإسهاماته في حفظ الهوية الوطنية، مشيرين إلى أنه كان شغوفاً بتاريخ فلسطين وأهلها.
أثر رحيل حمزة العقرباوي على التراث الفلسطيني
ينحدر العقرباوي من بلدة عقربا قرب نابلس، وقد كرّس حياته للبحث والتوثيق في مجال التراث الفلسطيني. لم يقتصر عمله على جمع الحكايات والأمثال الشعبية، بل امتد ليشمل توثيق المواقع الأثرية والتاريخية، وحياة الفلاحين والبدو، وقصص المقاومة والصمود.
كان العقرباوي يتميز بأسلوبه الفريد في جمع المعلومات، حيث كان يعتمد على التواصل المباشر مع الناس والاستماع إلى حكاياتهم وتجاربهم. كان يعتبر أن التراث هو جزء حي من الهوية الوطنية، وأنه يجب الحفاظ عليه ونقله إلى الأجيال القادمة.
مسيرة في التوثيق الشفوي
بدأ العقرباوي مسيرته في التوثيق كهاوٍ، ثم أصبح باحثاً معتمداً يعمل مع العديد من المؤسسات البحثية والأكاديمية الفلسطينية. كان يؤمن بأهمية التوثيق الشفوي كأداة للحفاظ على الذاكرة الجماعية، وكشف الحقائق التاريخية التي قد تتجاهلها المصادر الرسمية.
عمل العقرباوي على جمع وتوثيق العديد من القصص والحكايات المتعلقة بالحياة الفلسطينية في ظل الاحتلال، وقصص الأسرى والمعتقلين، وقصص النكبة والشتات. كان يرى أن هذه القصص هي جزء أساسي من التاريخ الفلسطيني، وأنها يجب أن تُروى وتُحفظ للأجيال القادمة.
خسارة ليست شخصية فحسب
يصف الباحثون والأكاديميون العقرباوي بأنه “موسوعة متنقلة” في مجال التراث الفلسطيني. كان يمتلك معرفة واسعة بالثقافة الشعبية والأزياء والأدوات التقليدية والأغاني والأهازيج، وكان قادراً على ربط هذه العناصر بالسياق التاريخي والاجتماعي.
لم يكن العقرباوي مجرد باحث وكاتب، بل كان أيضاً ناشطاً ثقافياً يشارك في العديد من الفعاليات والمهرجانات المتعلقة بالتراث الفلسطيني. كان يسعى إلى إحياء هذا التراث وتشجيع الناس على ممارسته والاحتفاء به.
وبحسب تصريحات لعدد من زملائه، فإن العقرباوي كان يولي اهتماماً خاصاً بتوثيق الأغوار والمناطق المهددة بالاستيطان، مؤكداً على أهمية هذه المناطق في الهوية الفلسطينية وضرورة الحفاظ عليها.
تأثيره على الأجيال الشابة
كان للعقرباوي تأثير كبير على الأجيال الشابة من الفلسطينيين، حيث ألهمهم للتعرف على تراثهم وثقافتهم، والانخراط في العمل التطوعي المتعلق بحفظها. كان يشجع الشباب على البحث والتوثيق والمشاركة في الفعاليات الثقافية، ويقدم لهم الدعم والتوجيه.
كما عمل العقرباوي على توثيق العديد من الحرف التقليدية التي بدأت في الانقراض، وقام بتدريب الشباب على ممارسة هذه الحرف، بهدف الحفاظ عليها وإحيائها.
المستقبل المجهول للتوثيق
رحيل حمزة العقرباوي يطرح تساؤلات حول مستقبل التوثيق الشفوي في فلسطين. فمن سيملأ هذا الفراغ الذي تركه؟ وكيف يمكن الحفاظ على هذا التراث الغني في ظل الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة؟
هناك حاجة إلى دعم المؤسسات البحثية والأكاديمية الفلسطينية، وتوفير التمويل اللازم لتمكينها من مواصلة العمل في مجال التوثيق. كما يجب تشجيع الشباب على الانخراط في هذا العمل، وتقديم الدعم والتوجيه لهم.
من المتوقع أن تصدر مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بالتعاون مع آخرين، مجموعة من المقابلات التي قام بتوثيقها العقرباوي قبل وفاته، وذلك في إطار جهود الحفاظ على إرثه وإتاحته للباحثين والمهتمين. لكن يبقى السؤال مطروحاً حول من سيواصل مسيرته والبحث عن كنوز التراث الفلسطيني المغمورة.
يظل الحفاظ على التراث الفلسطيني مهمة وطنية تتطلب جهوداً متواصلة وتعاوناً بين جميع المؤسسات والأفراد. رحيل عقرباوي هو خسارة مؤلمة، ولكنه أيضاً دعوة للعمل الجاد من أجل حماية الهوية الوطنية الفلسطينية.













