القدس المحتلة – تتصاعد المخاوف بشأن استخدام القوة المفرطة من قبل الشرطة الإسرائيلية ضد المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل، وتحديداً في أعقاب حادثة مقتل الشاب محمد حسين الترابين من سكان قرية “ترابين الصانع” في النقب. يشير هذا الحادث إلى تحول في مهام الشرطة الإسرائيلية وتحولها إلى أداة سياسية تستخدم الترهيب والعقاب الجماعي، مما يثير تساؤلات حول المساءلة والعدالة.
وقع الحادث مساء الأحد، خلال اقتحام الشرطة الإسرائيلية للقرية. وأفادت الشرطة بأن الشاب ترابين شكل خطراً على قواتها، مما استدعى إطلاق النار عليه. في المقابل، ترفض عائلة ترابين هذه الرواية، وتؤكد أن ابنها قُتل فور فتح باب منزله أثناء محاولة اعتقاله. وقد فرضت الشرطة طوقاً أمنياً حول القرية خوفاً من اندلاع مواجهات، وقررت محكمة بئر السبع وضع الشرطي المتورط في الحادث قيد الإقامة المنزلية لمدة خمسة أيام مع التحذير بشبهة إطلاق نار غير قانوني.
تصاعد العنف والغطاء السياسي: نظرة على مقتل محمد الترابين
لا يقتصر الأمر على مقتل ترابين، بل هو جزء من نمط متزايد من حوادث استهداف الفلسطينيين من قبل الشرطة الإسرائيلية. ووفقًا لمعطيات مبادرات “صندوق إبراهيم”، فقد شهد عام 2023 ارتفاعاً غير مسبوق في استخدام الشرطة الإسرائيلية للرصاص الحي ضد المواطنين العرب، دون تحقيق أي مساءلة أو محاكمة للشرطة المتورطة. هذا الغياب للمساءلة يثير قلقاً عميقاً ويشير إلى وجود غطاء سياسي كامل لحماية الشرطة من التبعات القانونية لأفعالها.
ردود الفعل الرسمية
أشاد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، مثنياً على ما وصفه بقيادته “جهود الشرطة الإسرائيلية لإعادة فرض الحوكمة في النقب”. وأعلن نتنياهو عن نيته زيارة المنطقة الجنوبية في الأيام القليلة المقبلة لمتابعة أنشطة الشرطة، مؤكداً عزمه على منع تحول النقب إلى “جنوب جامح”. يرى مراقبون أن هذا الدعم العلني من نتنياهو لبن غفير، والتركيز على “فرض الحوكمة”، يشكل رسالة ضمنية مفادها أن استخدام القوة لن يواجه قيوداً.
تفنيد رواية الشرطة من قبل العائلة
في المقابل، نفّدت عائلة الترابين رواية الشرطة بشكل قاطع. وروت تفاصيل مروعة لما حدث، حيث أكدوا أن الشرطة سحبت جثة ابنهم إلى الشرفة، وخلعت عنه بنطاله، وفتشت المنزل أثناء مرقده على الأرض، ثم قامت بتنظيف آثار الدماء. هذه التفاصيل، إذا صحت، تشير إلى سلوك مهين وغير قانوني من قبل الشرطة، وتزيد من الشكوك حول روايتها الرسمية.
الشرطة الإسرائيلية والنقب: سياق أوسع
تندرج حادثة ترابين الصانع ضمن حملة واسعة النطاق للشرطة الإسرائيلية في القرى البدوية في النقب. وتشمل هذه الحملة عمليات اعتقال ومداهمات وأوامر هدم، بالإضافة إلى جولات استفزازية متكررة يقوم بها الوزير المتطرف بن غفير. والهدف المعلن لهذه الحملة، بحسب الشرطة، هو مكافحة الجريمة المنظمة، لكن المنتقدين يزعمون أنها تستخدم كذريعة لتهجير السكان وتجريدهم من حقوقهم. الشرطة الإسرائيلية تتعرض لانتقادات متزايدة بسبب هذه الممارسات.
ويرى البعض أن القرى البدوية في النقب تتعرض لتمييز منهجي، وأن الشرطة الإسرائيلية تتعامل مع سكانها بطريقة مختلفة عن تعاملها مع المواطنين اليهود. ويشيرون إلى أن معدلات الاعتقال والتوقيف في هذه القرى أعلى بكثير من غيرها، وأنها غالباً ما تكون مبنية على “اشتباهات” غير واضحة. هذا التمييز يزيد من التوتر ويؤجج الصراع في المنطقة.
تداعيات الحادث وما يترقب
أدان العديد من السياسيين والناشطين الفلسطينيين والعرب الحادث، واعتبروه جريمة حرب. وحثوا على فتح تحقيق دولي مستقل في الحادث، ومحاسبة المسؤولين عنه. كما أعلنوا عن تنظيم فعاليات احتجاجية في مختلف أنحاء البلاد للمطالبة بالعدالة وإنهاء العنف الممنهج ضد الفلسطينيين. العنف الشرطي أصبح قضية مركزية في النقاش العام.
من المتوقع أن تواصل الشرطة الإسرائيلية عملياتها في النقب، وأن تزداد حدة التوتر في المنطقة. وسيكون من المهم مراقبة ردود الفعل على الحادث، سواء من الحكومة الإسرائيلية أو من المجتمع الدولي. كما سيكون من المهم متابعة نتائج التحقيق في الحادث، وهل سيتمكن من الوصول إلى الحقيقة وتحقيق العدالة. تعتبر هذه القضية اختبارًا حقيقيًا لالتزام إسرائيل بسيادة القانون وحقوق الإنسان، مع ترقب كبير لنتائج التحقيق وتأثيرها المحتمل على مستقبل العلاقات بين الشرطة الإسرائيلية والمجتمع الفلسطيني.













