يشهد المشهد السياسي الدولي توترات متزايدة، خاصةً فيما يتعلق بالعلاقات بين دول أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة، وتأثير ذلك على سياساتهم الخارجية. وقد تصاعدت هذه التوترات بشكل ملحوظ مع الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، الذي اتخذ مواقف صارمة تجاه إسرائيل والولايات المتحدة، مما أثار ردود فعل قوية من واشنطن. هذا التحول في السياسة الخارجية الكولومبية، وتحديدا علاقات كولومبيا مع الولايات المتحدة، يمثل نقطة تحول في ديناميكيات القوة الإقليمية.
لطالما كانت كولومبيا حليفًا وثيقًا للولايات المتحدة في المنطقة، لكن انتخاب بيترو، أول رئيس يساري في البلاد، أدى إلى تغييرات جذرية في هذه العلاقة. فمنذ وصوله إلى السلطة، سعى بيترو إلى تنويع علاقات بلاده، وتعزيز التعاون مع دول أخرى مثل الصين وفنزويلا، وهو ما اعتبرته واشنطن تحديًا لمصالحها.
تاريخ من الشروط والتحولات في السياسة الخارجية
تعود جذور هذا التوتر إلى عقود مضت، حيث تشير بعض التقارير التاريخية إلى أن الولايات المتحدة ربطت دعمها للهند في التسعينيات بتحسين علاقاتها مع إسرائيل. وفي المقابل، يمثل مسار بيترو خروجًا عن هذا التقليد، حيث يتبنى موقفًا أكثر استقلالية ويدعم القضية الفلسطينية بشكل علني.
بدأ بيترو في إدانة ما وصفه بـ “الإبادة” في غزة، وقارن بينها وبين المحرقة النازية، مما أثار غضب المسؤولين الإسرائيليين. ووصل الأمر إلى حد إعلان كولومبيا عن نيتها قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وهو ما دفع وزير الخارجية الإسرائيلي إلى انتقاد بيترو بشدة.
تصعيد الموقف وتأثيره على العلاقات الثنائية
تصاعدت حدة التوتر بعد مشاركة بيترو في مسيرة مؤيدة لفلسطين في نيويورك، حيث دعا إلى حمل السلاح لتحرير فلسطين، وحث الجنود الأمريكيين على عصيان الأوامر. ردت الولايات المتحدة بإلغاء تأشيرة دخول بيترو إلى البلاد، واعتبرت تصريحاته “متهورة”.
في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، دعا بيترو دول العالم إلى تشكيل جيش لتحرير فلسطين، وانتقد سياسات الولايات المتحدة في المنطقة. وقد أثارت هذه التصريحات استياءً واسعًا في واشنطن، وزادت من الضغوط على الحكومة الكولومبية.
الخلافات حول مكافحة المخدرات والسيادة الوطنية
إضافة إلى القضية الفلسطينية، يكمن جوهر الخلاف بين بيترو والولايات المتحدة في ملف مكافحة المخدرات. يرى بيترو أن النهج الأمريكي القائم على القمع العسكري غير فعال، وأنه يجب التركيز على معالجة الأسباب الجذرية للمشكلة، مثل الفقر والبطالة. في المقابل، تصر واشنطن على مواصلة تقديم الدعم الأمني لكولومبيا، وتتهم بيترو بالتراخي في مكافحة عصابات المخدرات.
فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مسؤولين كولومبيين، واتهمت بيترو بالفشل في التعاون مع جهود مكافحة المخدرات. رد بيترو باتهام الولايات المتحدة بالتدخل في شؤون بلاده، وبأنها تسعى إلى فرض إرادتها على كولومبيا. وقد أعلن عن نيته شراء أسلحة من دول أخرى، مثل السويد، لتعزيز قدرات بلاده الدفاعية.
تفاقمت الأزمة بعد تقارير عن هجمات أمريكية على سفن يُزعم أنها تحمل مخدرات في منطقة البحر الكاريبي، مما أثار مخاوف بشأن انتهاك السيادة الوطنية لكولومبيا ودول أخرى في المنطقة. واعتبر بيترو هذه الهجمات بمثابة “غزو” لأمريكا اللاتينية، وحذر من أن بلاده قد تضطر إلى الدفاع عن نفسها.
مستقبل العلاقات الكولومبية الأمريكية
على الرغم من التوترات الحادة، لا تزال هناك محاولات لتهدئة الوضع وإعادة الحوار بين البلدين. وقد أجرى الرئيسان بيترو وترامب مكالمة هاتفية وصفها الطرفان بأنها “إيجابية”. ومع ذلك، لا يزال مستقبل العلاقات بين كولومبيا والولايات المتحدة غير واضح. من المتوقع أن تشهد المنطقة تطورات متسارعة في الأشهر القادمة، وأن تتأثر هذه التطورات بالانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة، وبالأوضاع الإقليمية والدولية المتغيرة. يجب مراقبة ردود فعل واشنطن على سياسات بيترو، وخاصة فيما يتعلق بملفي مكافحة المخدرات والعلاقات مع الصين، لتحديد مسار العلاقات الثنائية في المستقبل القريب.













